حموره زيادة: الأديان والايديولوجيات تتساوى في كونها تدعي اليقين المطلق

تساؤلات موضوعية

أكد الروائي السوداني حمور زيادة في لقائه مع جمهور معرض أبوظبي للكتاب في دورته الـ 25 تبرؤ روايته "شوق الدرويش" من مسألة الاسقاط على المجتمع، وأوضح "هذا أتبرأ منه قولا واحدا، كثير من الناس رأوا داعش في هذه الرواية وقالوا كلاما، لقد بدأت الرواية قبل أن تظهر داعش، وقلت في مرة من المرات إذا كانت المنطقة العربية نكبت بداعش فإن رواية "شوق" أسقط هذا الأمر ولا أقارنه، وإنما هي صدفة القدر، ربما أتت لتقول أن التطرف مازال واحدا".

وأشار إلى أن هناك من يرى أن الروائي من حقه إعادة تفكيك التاريخ وإعادة بنائه كما يشاء، ليس عليه أن يلتزم بدقة بنص التاريخ لأنه يكون في الأصل في الأمور الشك، وتساءل هل يوجد تاريخ حقيقي؟ هل نحن نعرف ما حدث؟ هل ما هو موجود في المراجع هو التاريخ الحقيقي؟

وقال: "هذه تساؤلات موضوعية تماما، لكن بالنسبة لي أنا رجل ميال للدقة في هذه الأمور، لأنني أعتبر أن التاريخ لدينا ملتبس فيما يبحث، والموثق في كتب التاريخ نفسه فيه وجهات نظر وروايات متضاربة، وفيه لبس كثير جدا، فهل أزيد هذه الطامة طامة أخرى بالتفكيك والبناء الروائي، هذا أمر يثقل على القارئ، ويساعد على زيادة تغبيش التاريخ، المسألة الأخرى، وربما يكون هذا نوع من الرقيب الذاتي، في الغرب من السهل جدا أن تكتب رواية أو تنتج فيلما مثل (الرجل ذو القناع الحديدي) تأتي بحادثة تاريخية صغيرة عن الرجل المجهول في سجن الباستيل، الذي كان يلبس قناعا حديديا لسنوات طويلة ولا أحد يعرف من هو إلى أن مات، فتخلق من هذه الحادثة تفسيرات أن لويس الرابع عشر كان له توأم ووضع على وجهه هذا القناع ثم يتم استبداله لذلك تغير سلوك لويس، فواقعة تاريخية أن لويس الرابع عشر بدأ حكمه بشكل ثم تغير، فتخيل أنني لو كتبت رواية أن عمر بن عبدالعزيز الخليفة الخامس كما يطلق عليه كان لديه توأم أسمه عمرو وكان عمرو هذا شديد الزهد، وانقطع للعبادة في جبل بعيد ولم يعرف عنه الناس شيئا، حتى أتت الخلافة لعمر بن عبدالعزيز الذي ثابت في التاريخ أنه كان من أزهى بني أمية ويلبس الثياب ويضع العطور ويجد ريح عطره بعد أن يمر بساعات طوال، تخيل أنني لو قلت إن رجاء بن حيوى الذي تكفل بتنفيذ وصية الخليفة سليمان بن عبدالملك وتولية عمر بن عبدالعزيز، لو قلت إن رجاء استبدل عمر بن عبدالعزيز بأخيه عمر الزاهد لذلك انقلب عمر بن عبدالعزيز، هل سيتقبل الناس ذلك؟

إن تقديس التاريخ لدينا مشكلة، لذا بدأت الكلام مشيرا إلى أنها ربما نوع من الرقابة الذاتية أن أميل للالتزام بالتاريخ الموجود في الكتب. لذلك الآن عندما تحاكم "شوق الدرويش" تاريخيا وهي محاكمة لا أرفضها ولكنها تأتي في المرحلة الثانية، حيث عليك أن تحاكم العمل أدبيا ثم تنظر فيما بعده، حين تحاكم تاريحيا أنا أستند إلى مراجعي".

ورأى حمور أن "شوق الدرويش" التي ضمتها القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية ـ البوكر ـ اتكأت على التاريخ، وقال: "جاءت الرواية بالثورة المهدية والأحداث الجسيمة العظيمة كخلفية وبرزت بأبطالها وشخوصها "بخيت منديل" و"تيودورا" و"ومريسيله" و"الحسن الجريفاوي" وسائر شخوص الرواية برزت بهم ليقع عليهم رد فعل هذه الأحداث وكيف تفاعلوا معها وكيف تأكل الثورات بنيها وتمضغهم ثم تتفلهم بعد ذلك؟!

وأضاف حمور: "أنا دائما ما أقول .. أنا أريد أن أحكي حكاية ممتعة في المقام الأول، كل ما خلت الحكاية من أسئلة أو طرح رؤية مخالفة للعالم من الأشياء التي يحب الكتاب أن يصفوا بها ما يكتبون ـ وهذا أمر مقدر عندي لا أقل منه ـ هذا عندي أمر ثانوي، همي الأول أن أحكي حكاية ممتعة، في اعتقادي أني اجتهدت جدا على الأقل في الحصول على فترة زمنية والتركيز عليها، فيها قدر عال جدا من الإمتاع وهي الفترة منذ العام 1881 عندما انطلقت ثورة الامام المهدي إلى عام 1898 عندما دكت سنابك الجيوش الغازية مدينة أم درمان.

بعد هذه المتعة التي سعيت إليها ربما أكون أردت أن أقدم رؤية الإنسان في علاقته مع الآخر، الآخر المختلف في اللون والدين والعرق والانسان الآخر وحتى ابن مجتمعه عبر الانقسامات الاثنية داخل المجتمع، قد أكون أردت الحديث عن اليقين المطلق، وأين يذهب بمن يتبعه وإلى أي مدى يمكن أن نذهب بهذا اليقين.

قد أكون أردت التحدث عن قيمة الحب وهل هو معادل يمكن أن يقضي على طاقة الكراهية التي يبثها اليقين المطلق، أم أن الحب نفسه يمكن أن يتحول إلى يقين مطلق فنصبح في مأزق جديد".

وحول استخدامه لكلمة "الونس" في الرواية قال: "هذه العبارة سرقتها لا أقول اقتبستها حتى، ومن اللطيف أن الشاعر مريد البرغوثي رئيس لجنة جائزة البوكر في الأيام السابقة حين كان يقول كلمة رنانة أقول له هل كتبت هذه العبارة يقول لقد سرقتها، هذه العبارة أنا سرقتها رغم أنها مكتوبة، هذه العبارة قالها يوسف إدريس للطيب صالح قال له يا طيب: حين أقرأ لك أحس بالونس.

أنا أظن أن هذا من أصدق الوصف العبقري الذي قيل عن أدب الطيب صالح ويمكن أن يطلق على عدد من الكتابات السودانية الميالة للحكي، هناك اتجاهات سودانية لا تميل للحكي ولكن هناك كثير من يميل للحكي وأنا أحب هذه المدرسة وأعتقد أن دورا رئيسيا للكتاب أن يكون ونسيا لك، حين تمسك بالكتاب تسمع صوت الرواي كجدة أو رجل عجوز أو صديق حميم يخبرك رواية تشدك حتى أنك تراها رؤى العين ولا تستطيع أن تغادر مجلسه قبل أن تنتهي فإذا عرض لك عارض تضجرت وتململت كطفل صغير تجبره جدته على النوم وهو يريد أن يعرف إلى أين انتهى البطل هل فاز بالأميرة الجميلة من القصر المسحور أم لا؟"

وأوضح حمور زيادة "الروح الصوفية في الرواية كانت موجودة عند كل الأبطال حتى أولئك الذين لم يكونوا مسلمين، تيودورا نفسها كانت درويشه بشكل ما، مريسيلة التي كانت أبعد ما تكون عن التدين، قوادة وتصنع الخمور وترتكب الموبقات، هذه المرأة أعتقد أنها كانت درويشه على طريقتها، لكن تلك الفترة الزمنية عموما في تاريخ السودان كانت مرتبطة بالتصوف وحركة الامام المهدي ربما تكون واحدة من الحركات القليلة في تاريخ العالم الاسلامي حركة متصوفة عنيفة، فعادة ما يرتبط التصوف بالدعوة والسكون والزهد والطيبة مع الناس، ويرتبط الاسلام السني الحركي بالعنف.

ربما حركة ابن تومر في المغرب وحركة محمد أحمد المهدي من السودان هما حركتا التصوف اللتان انتهجتا نهجا إقصائيا لا تصالحيا مع الآخر، نهجا فيه شيئا من العنف بدل لين الصوفية المعتاد، المهدي انطلق من المنامات التي يؤمن بها المتصوفة، فقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبره في حال يقظة فلا هو نائم ولا سكران، بأنه هو المهدي المنتظر، وهذه دعوى يدعيها الكثير من المتصوفة ولا بأس فيها فكل شخص دعواه، لكنه يعقب ويقول "من لم يؤمن بمهديتي فقد كفر" هنا خرج بالمهدية من المعتاد في الصوفية لذلك كانت غريبة في الواقع السوداني وفي واقع غرب أفريقيا كلها ذات الايمان الصوفي العميق".

وأكد حمور أن الأديان والايديولوجيات كلها تتساوى في كونها تدعي اليقين المطلق وهذا أمر مفهوم فلا يمكن أن تكون مؤمنا بأن ما تعرف هو الحق المطلق إذا دخلك الشك فأنت لست مؤمنا سواء كان هذا الايمان بدين أو بأيديولوجيا لا يمكن أن تكون ماركسيا وأن تشكك في فائض القيمة، لا بد أن تؤمن أن فائض القيمة هذا فيه ظلم للعامل لا يمكن أن تكون ليبراليا وأنت لا تؤمن بحقوق الانسان في جسده ودينه، وكذلك في الأديان عليك أن تعتقد جازما أن ما لديك هو اليقين المطلق والحق المطلق، تصبح المشكلة في مجتمعاتنا المعاصرة حين تعتقد أن يقينك المطلق .. حقك اليقين الذي وصلت إليه يعطيك الحق في أن تسود على الآخرين وأن تمنع الآخرين مما هو حقهم، فإذا جلس الرجل في بيت أبيه وأمه وآمن بما شاء فلا مشكلة، لكن تصبح المشكلة عندما يتحرك اليقين من البيت ليدخل الشارع".