محاربة تنظيم داعش... تُقسم العراق!

خطر التقسيم وخطر الوضع الراهن

حين يتعرض أمن بلد معيّن للخطر يتجه شعب هذا البلد تلقائيا وبكل مكوّناته لدرء هذا الخطر على الرغم من الخلافات بين مكوناته. إلا أننا نجد أنفسنا أمام ظاهرة جديرة بالتمعّن في العراق وهي أن محاربة تنظيم داعش قد زادت الفرقة بين العراقيين وأصبح الحديث عن تقسيم العراق أكثر تواتراً من ذي قبل.

قضية تحرير محافظة الأنبار فجّرت هذا الموضوع ودفعته إلى موقع الصدارة، ووضعت الجيش العراقي أمام استحقاقات محرجة لقدراته، فقد لحق الكثير من الحيف بهذا الجيش منذ قرار حله من قبل الحاكم الأميركي بريمر عام 2003، وإعادة تشكيله على أسس أثبتت الأحداث أنها ألحقت به المزيد من الحيف وأظهرته عملياً في أكثر من موقف بما لا يتفق مع تأريخه.

مضت أكثر من عشرة شهور منذ انهار الجيش العراقي أمام تنظيم داعش في التاسع من يونيو 2014 في عدد من المحافظات، وهي مدة أكثر من كافية لإعادة بناء هذا الجيش على أسس وطنية احترافية، إلا أن ذلك لم يحصل لأسباب ليس الدخول في تفاصيلها موضوع هذه المقالة.

ولكننا نكتفي في هذا الصدد بالإشارة إلى أن ذلك لم يكن تقصيراً أو افتقاراً للرؤية بقدر ما كان رغبة حقيقية لدى صناع القرار في تقزيم هذا الجيش وتحويله إلى مؤسسة ضعيفة يتطلب اللجوء لغيرها في الشدائد. هذا الجيش غير قادر بمفرده على مواجهة «داعش» في محافظة الأنبار، كما أن عشائر المحافظة بما تمتلكه من سلاح خفيف ليست سنداً قوياً لمساعدته في تحرير المحافظة.

الولايات المتحدة من جانبها مستمرة بالضغط على العملية السياسية، فهي منذ إقصاء المالكي لم تتوقف عن ذلك، إذ جعلت مشاركتها في الحرب على داعش مرهونة بحصول العبادي على ثقة مجلس النواب لتشكيل الحكومة.

ولكن يبدو أن هذه الضغوط لم تعد كافية لوضع الحكومة العراقية أمام الأمر الواقع، لذلك يأتي مشروع الكونغرس الأميركي القاضي بتسليح البيشمركة الكردية والعشائر السنّية من أجل تحقيق توازن أمام الحشد الشعبي، وهذا يأتي في سياق تصعيد الضغوط على الإدارة العراقية لحسم موقفها من الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي.

ردود الأفعال على هذا المشروع تفاوتت بين انفعالية غاضبة تهدد بضرب المصالح الأميركية في حال تنفيذه، وأخرى مرحّبة، وثالثة مؤيدة على مضض.

حكومة العبادي أعلنت رفضها للمشروع، إلا أن القوى السياسية فشلت في صياغة موقف موحد منه، حيث صوت مجلس النواب العراقي في الثاني من مايو الجاري بالأغلبية على صيغة قرار قدمتها كتلة «التحالف الوطني» لم تحظ بموافقة القوى الأخرى، اتحاد القوى والتحالف الكردستاني، اللتين انسحبتا من الجلسة.

مشروع الكونغرس هذا يضعف إلى حد كبير حكومة العبادي التي يتربص حلفاؤه في حزبه للإطاحة بها قبل أعدائه، فهذا المشروع قد يفسر على أنه خطوة عملية لوضع مشروع نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن حول تقسيم العراق موضع التنفيذ.

والحقيقة أن تفسيراً كهذا لا يتعارض مع السياقات العامة التي تتجه إليها الأوضاع في العراق، إلا أن فيه بعض الالتباس، فمن الإنصاف أن نذكر بأن السياسات التي انتهجتها معظم القوى المشاركة في العملية السياسية والمناهضة لها عملت بهذا القدر أو ذاك بوعي أو من غيره على جعل الطرق لعملية تقسيم العراق سالكة.

لا جوزيف بايدن ولا غيره يستطيع تقسيم العراق من دون رغبة قوى مهمة تعمل على تنفيذ ذلك وجعله مستساغا، فالتقسيم إن حصل ليس غير نتيجة حتمية لما جرى وما خطط له أمراء الطوائف الذين يتصورون أن التقسيم يمنحهم المزيد من القوة والنفوذ.

محمد جمال عاكف

كاتب وأكاديمي عراقي