ارتفاع مستهلكي المخدرات ينخر المجتمع التونسي

8 آلاف مدمن يقبعون في السجون

ارتفع عدد المدمنين على المخدرات بجميع أنواعها في تونس خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 30 بالمئة لتشمل أكثر من 500 ألف شخص موزعين على مختلف الشرائح العمرية وعلى مختلف الفئات الاجتماعية من بينهم 8000 شخص مسجون وذلك بعد أن تحولت تونس من منطقة عبور إلى منطقة استهلاك وترويج فيما سارعت السلطات إلى إعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى "إلغاء العقوبات الردعية" وتعويضها بإجراءات "وقائية وعلاجية".

وأثار استفحال ظاهرة الإدمان على المخدرات خلال السنوات الأربع الماضية سخط الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ونشطاء المجتمع المدني متهمين السلطات بـ"التهاون" في مكافحة الظاهرة التي تنخر المجتمع في ظل تزايد نشاط شبكات متخصصة في ترويج جميع أصناف المواد المخدرة حتى أنها جعلت من تونس منطقة استهلاك وترويج بعد أن كانت "منطقة عبور إما جنوبا إلى ليبيا أو غربا إلى الجزائر.

وأحصت الجمعية التونسية للوقاية من المخدرات أكثر من 500 ألف مستهلك للمخدرات بصفة عامة من بينهم زهاء 100 ألف مستهلك لمادة "القنب الهندي" أو ما يعرف في تونس بـ"الزطلة" و200 ألف مستهلك للحبوب و20 ألفا مستهلك للمخدرات المحقونة ويليهم مستهلكي الكوكايين، والهيروين.

وأرجع عبد المجيد الزحاف رئيس الجمعية التونسية للوقاية من المخدرات ارتفاع نسبة الإدمان على المخدرات إلى 30 بالمائة خلال السنوات الأربع الماضية إلى "تحول تونس من أرض عبور إلى أرض سوق تباع وتشترى فيها مختلف أنواع المخدرات في عياب يكاد يكون كليا لأية "خطة" ناجعة لمكافحة الظاهرة التي نخرت المجتمع التونسي وخاصة الشباب والفئات الهشة التي لم تتحمل "ضغط" التحولات الاجتماعية و"قسوة" الأوضاع الاقتصادية وبدا الشباب والفقراء "أضعف الحلقات" التي فتكت بها المخدرات.

ويؤكد الخبراء والأخصائيون أن تونس قبل انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 كانت منطقة عبور لشبكات ترويج المخدرات إما نحو الجنوب الشرقي باتجاه ليبيا أو نحو الحدود الغربية باتجاه الجزائر أو نحو شمال المتوسط باتجاه إيطاليا مشددين على أن "ظاهرة استهلاك المخدرات في تونس شهدت تحولا خطيرا خلال السنوات الأربع الماضية حيث جعلت منها شبكات متخصصة سوق بامتياز للترويج والاستهلاك مستفيدة من الانفلات الأمني وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في ظل غياب خطة واضحة لمكافحة الظاهرة من قبل مؤسسات الدولة سواء من حيث الوقاية أو الردع.

ووفق بيانات الجمعية التونسية للوقاية من تعاطي المخدرات بلغت نسبة المدمنين على المخدرات لدى المراهقين والشباب 57 بالمائة ممن تتراوح أعمارهم ما بين 13 و18 سنة الأمر الذي يعني أن الظاهرة فتكت بأضعف الحلقات من حيث الهشاشة النفسية والاجتماعية.

وتنخفض نسبة الاستهلاك تدريجيا بين الفئات الأكبر سنّا لتبلغ 36 في المئة بين 18 و25 سنة 4.7 بين 25 و35 سنة، ولا تتعدى نسبة 2 في المائة في الفئة العمرية بين 25 و50 سنة.

ومما يؤكد أن تزايد استهلاك المخدرات يعكس عدم قدرة الشباب التونسي على تحمل حدة الأزمة التي تمر بها البلاد وتداعياتها الاجتماعية والنفسية على تركيبة الشخصية أن أكثر من 86 بالمائة من المراهقين ومن الشباب جربوا تعاطي المخدرات خلال السنوات الأربع الماضية.

وبرأي الأخصائي في علم الاجتماع بالجامعة التونسية عبد الستار السحباني فإن تزايد ظاهرة الإدمان على المخدرات خلال السنوات الماضية يرجع إلى "قسوة ظروف العيش وحالة الإحباط الناجمة عن انسداد الآفاق أمام الشباب" في ظل تفشي الفقر والبطالة إضافة إلى التفكك الاجتماعي والاضطرابات النفسية".

ولا يتردد الأخصائيون في ربط انتشار إدمان المخدرات بأزمة الدولة وأزمة المجتمع التي تعصف بالبلاد مند أربع سنوات ملاحظين أن التونسيين كانوا يحافظون على تماسكهم الاجتماعي والنفسي قبل الثورة في ظل دولة قوية ومجتمع متماسك يضمنان التأطير والرعاية ويخففان على الفرد ضغوطات الحياة اليومية، أما بعد الثورة فقد وجد التونسيون أنفسهم أمام غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وانهيار شبه كامل لمؤسسات المجتمع ولم يقدر الكثير منهم وخاصة الشباب على التأقلم مع وضع متحرك وضبابي.

وتظهر القراءة في توزيع المدمنات حسب الانحدار الاجتماعي أن نسبة إدمان الفتيات على المخدرات ترتفع بشكل لافت لدى الفئات الاجتماعية الهشة والمحرومة التي لم تتحمل قسوة التحولات الاجتماعية التي مزقت نسيج العلاقات الاجتماعية وفككت بنى المجتمع وأطره مثل الأسرة والعائلة، إذ تبلغ نسبة إدمان الفتيات في الأحياء الشعبية أكثر من 60 بالمائة بينما تنخفض النسبة إلى 20 بالمائة لدى الفئات المترفهة أو الميسورة وهو ما يؤكد أن حالة التفقير التي تعرض إليها المجتمع التونسي خلال السنوات الأربع تمثل أرضية خصبة لانتشار استهلاك المخدرات إلى درجة أنها فتكت بـ 12 بالمائة من الأطفال الدين لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات.

وتعتبر الأوضاع الاجتماعية ومستوى المعيشة وضعف المقدرة الشرائية عاملا مباشرا يغدي استهلاك نوعية المخدرات ، ففي الأحياء الشعبية التي ترتفع فيها نسبة الفقر إلى أكثر من 60 بالمائة يدمن الأشخاص على استهلاك المخدرات الخفيفة وفي مقدمتها القنب الهندي "الزطلة" بنسبة 93 بالمائة باعتبار أن أسعارها في المتناول.

ولدى الفئات المترفهة ينتشر الإدمان على استهلاك أخطر أنواع المخدرات مثل الكوكايين والهيرويين بنسبة 97 بالمائة.

غير أن تزايد الإدمان على المخدرات لا يعود فقط إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية فحسب بل يعود أيضا، كما يذهب إلى ذلك الخبراء إلى عوامل سياسية إذ أظهرت دراسة حديثة أن 57 بالمائة من المدمنين يشددون على أن "الوضع السياسي في البلاد هو العامل الأول الذي يقف وراء إدمانهم وأنهم لم يجدوا طريقة أخرى لرفض سياسات عير واضحة لا تعير أي اهتمام للمشاكل، سوى الهروب من الواقع الذي لا يطاق".

ويقول السحباني أن "الإدمان هو شكل من أشكال ردة الفعل على رفض الأوضاع السياسية والاقتصادية عامة" لافتا إلى أن "اللجوء على الإدمان يستبطن موقفا سياسيا خلافا لما تتكتم عنه السلطات، ففي الأزمات الحادة يلتجئ عدد من الأفراد إلى رفض الواقع بوسائل غير سياسية منها مقاطعة دلك الواقع والهروب منه إما من خلال الهجرة أو من خلال "الهجرة المخيالية" مثل الإدمان على المخدرات بجميع أنواعها.

وإزاء خطورة استفحال الإدمان على المخدرات سارعت وزارة العدل إلى إعداد مشروع قانون جديد يهدف إلى "الوقاية" و"المعالجة" قبل الردع حيث قالت وزارة العدل إن "القانون الجديد يعتمد فلسفة جديدة تتمثل في إلغاء فلسفة العقاب من خلال خلق بدائل، وتبني فلسفة وقائية وعلاجية.

وخلال الأشهر الماضية أطلق رجال التعليم صيحة فزع بعد أن أثبتت إحصائيات أن 50 بالمائة من تلاميذ تونس مدمنون على استهلاك المخدرات وتتوزع النسبة إلى 60 بالمائة من الذكور و40 بالمائة من الإناث.

وقال الناشط النقابي الأسعد اليعقوبي إن "المخدرات شهدت خلال الفترة الأخيرة انتشارا رهيبا في صفوف تلاميذ المعاهد الثانوية وأصبح تعاطيها من قبل الفتيان والفتيات ظاهرة تهدد مستقبل الناشئة في تونس".

وأرجع اليعقوبي تعاطي المخدرات داخل أسوار مؤسسات التعليم إلى عدة عوامل نفسية واجتماعية وأيضا إلى المناخ العام الذي تعيشه البلاد والمتسم بحالة من الانفلات والفوضى وانسداد الآفاق أمام التلاميذ.

وقال اليعقوبي إن نقابة التعليم الثانوي لها إحصائيات دقيقة وثابتة تؤكد تغلغل استهلاك تلاميذ المعاهد الثانوية للمخدرات بجميع أنواعها غير أنه لاحظ أن أكثر أنواع المخدرات استهلاكا هي "المخدرات الخفيفة" دون أن ينفي استهلاك أنواع خطيرة جدا.

وكشف أن عملية تزويد التلاميذ بالمخدرات يتم عبر عصابات منظمة تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى خطر حقيق لأنها أصبحت تستهدف جيلا كاملا.

ودعا الأسعد اليعقوبي وزارة الداخلية إلى مقاومة العصابات الإجرامية التي تمثل شبكات منظمة تعمد إلى توزيع المخدرات على التلاميذ داخل أسوار المعاهد الثانوية.

ودعا الأخصائي الاجتماعي سهيل بيوض إلى عدم اختزال مكافحة الإدمان على المخدرات على تطبيق القانون ومقاضاة المدمنين وسجنهم مطالبا بـانتهاج طرق علمية اجتماعية ونفسية وصحية داخل مراكز متخصصة في التأهيل والإحاطة، في مرحلة أولى للمعالجة، ثم إيجاد الحلول العملية لمشاكلهم في مرحلة ثانية.