معاهد تونس تلفظ عشرات آلاف التلاميذ سنويا إلى الشوارع

قاعدة بشرية في خدمة الجماعات الجهادية

يغادر سامي الرياحي المنزل الواقع في حي "الياسمينات" الشعبي تونس العاصمة على الساعة التاسعة صباحا ويتجه نحوى المقهى حيث يلتقي يوميا بأصدقائه ولا يغادره إلا على الساعة السابعة مساء بعد يوم "قاس" لا تؤثثه سوى الهموم المشتركة للشباب التونسي و"أحلام" اليقظة وفي مقدمتها الهجرة إلى ما وراء المتوسط على الضفة الشمالية مترصدا فرصة لركوب "قوارب الموت" باتجاه إيطاليا.

ينتمي سامي الذي يبلغ من العمر 18 سنة وهو من عائلة فقيرة حيث يشتغل والده عبدالرحمان الرياحي في حضائر البناء بأجر لا يتجاوز 13 دينارا، أقل من 10 دولارات، وتعمل أمه خديجة الرياحي معينة منزلية بأجر شهري يساوي 180 دينارا أي أكثر من 100 دولار.

سألته "هل انتهى العام الدراسي، أم أنك لا تدرس أصلا" فأجاب بنبرة لا تخلو من "الإحباط والاستهزاء "تقرا وإلا ما تقراش المستقبل ما ثماش" أي "تدرس أو لا تدرس ليس هناك أي جدوى ولا مستقبل"، في إشارة إلى أن التعليم فقد جدواه في ضمان الحد الأدنى من الارتقاء الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة.

ويعد سامي الرياحي واحدا من بين 130 ألف تلميذ ينقطعون عن التعليم سنويا في تونس من بين مليون تلميذ وفق إحصائيات رسمية ليجدوا أنفسهم في شوارع لا ترحم عادة ما تزج بهم إما في عالم صناعة الموت والالتحاق بخلايا الجماعات الجهادية أو في عالم المخدرات أو الجريمة المنظمة أو تلقي بهم إلى قوارب الموت باتجاه السواحل الجنوبية الإيطالية.

وتحولت ظاهرة الانقطاع عن التعليم خلال السنوات الماضية إلى ظاهرة خطيرة حيث ارتفعت بنسبة 30 بالمئة عما كانت عليه قبل انتفاضة يناير 2010 وأصبحت الظاهرة تؤرق العائلات والمربين في مجتمع كثيرا ما راهن عن التعليم من أجل ضمان الارتقاء الاجتماعي لأبناء الفئات الفقيرة وكذلك من أجل بناء مشروع مجتمعي حديث متحرر من أثقال شدرات المجتمع التقليدي.

وتؤكد أحدث الإحصائيات أن ظاهرة الانقطاع عن التعليم تعصف أساسا بالمراهقين دلك أن 78 بالمئة من المنقطعين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 سنة.

وخلال العام الدراسي الحالي تجاوز عدد المنقطعين عن الدراسة 130 ألف تلميذ، موزعين على 70 بالمئة من الذكور و30 بالمئة من الفتيات.

وأرجعت دراسة أنجزها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية "حول أسباب الانقطاع عن التعليم" في تونس إلى سبب رئيسي هو "الفشل المدرسي" بنسبة 90 بالمئة وهو مؤشر قوي على اهتراء نظام التعليم وعجزه عن مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد حيث لم تقد تلك التحولات إلى التفكك الأسري فحسب بل قادت أيضا إلى تفكك الأطر الاجتماعية والتربوية.

وتظهر الدراسة أن ثلثي المنقطعين من الذكور 70 بالمئة فيما تمثل الفتيات 30 بالمئة ملاحظة أن هناك "ثغرة في المنظومة التربوية" حيث لم تنتهج "الإدارة" معالجة ناجعة تنبني على أسس علمية من شأنها الحد من الظاهرة التي تعد نزيفا في نظام التعليم.

ويحمل الخبراء في علوم التربية الإدارة مسؤولية تفشي ظاهرة الانقطاع عن التعليم مشددين على أن هناك "غياب التكوين في مجال التعامل مع الانقطاع وعدم التنسيق مع مصالح وزارة الشؤون الاجتماعية لمتابعة حالات التلاميذ المعنيين بالإخفاق المدرسي وعدم وضع آلية للوقاية من الإخفاق وعدم تكوين إطار تربوي في مجال علم النفس التربوي حتى يقوم بحماية الحالات المهددة إلى جانب غياب الدراسات الميدانية للظاهرة".

وتؤكد الإحصائيات أن غالبية المنقطعين منحدرين من الجهات الداخلية المحرومة ومن القرى والأرياف الأشد حرمانا نتيجة تردي الظروف المادية والاجتماعية بسبب التهميش وطول المسافة بين المؤسسة التربوية والمسكن حيث ينتمي 78 بالمئة من المنقطعين إلى الفئات الفقيرة والمتوسطة والدنيا ويشدد علماء النفس وعلماء الاجتماع على "ارتباط" ظاهرة الانقطاع المدرسي بعوامل عديدة منها الظروف الاجتماعية والاقتصادية الأسرية للتلميذ والفقر وابتعاد أماكن الدراسة عن محل السكن.

وفي ظل الأزمة الحادة التي تمر بها البلاد وتزايد عدد العاطلين عن العمل الذي فاق المليون عاطل بات المنقطعون عن التعليم تحت تأثير مختلف الظاهر المنتشرة في المجتمع حيث أعرب 55 بالمئة منهم عن رغبتهم في الهجرة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية.

وتبدو مثل هذه الإحصائيات مؤشرا قويا على حالة الإحباط التي تفتك بالشباب التونسي جراء انسداد الأفق كما تؤشر على أن المنقطعين هم "لقمة سائغة" أما الجماعات الجهادية حيث أعلنت السلطات التونسية أنها منعت أكثر من 12 ألف شاب وفتاة خلال العام 2014 من السفر إلى سوريا والالتحاق بتنظيم "الدولة الاسلامية".

واتهم الأخصائي الاجتماعي سالم الابيض الدولة بغض نظرها عن مسالة الانقطاع عن التعليم، ملاحظا إن الدولة تربح قرابة الـ253 مليارا من الدنانير جراء تواصل انقطاع آلاف التلاميذ عن التعليم سنويا.

وقال الأبيض إن التلميذ الواحد يكلف الدولة حوالي 2300 دينار سنويا، وهو ما يجعل عند البعض عملية الانقطاع المدرسي مسكوتا عنها لأنها "مربحة" للدولة.

وفي أغلب الأحيان يتحول المنقطعون عن التعليم إلى "ضحايا" لظواهر خطيرة حيث أظهرت دراسات ميدانية حديثة أن زهاء 66 بالمئة من الشباب التونسي يستهلك المخدرات الخفيفة المعروفة في تونس بـ"الزطلة" وتنخفض هذه النسبة لدى الفتيات إذ تبلغ 30 بالمئة.

وفي 23 ابريل/نيسان 2015، أطلقت تونس حوار وطنيا لإصلاح قطاع التعليم تحت شعار \'\'لنبدأ\'\' في محاولة لإصلاح البرامج التعليمية بدعوة من الإتحاد العام التونسي للشغل حيث شدد حسين العباسي على أن الحوار "جاء من منطلق تشخيص وضع سيئ وظهور أزمة أداء أدت إلى ضعف نتائج المدرسة التونسية وتقهقر مؤسساتها".

ويقول الأخصائيون في علوم التربية أن استفحال ظاهرة الانقطاع عن التعليم تعكس خطرا مفزعا يتمثل في فقدان التلاميذ لثقتهم في التعليم باعتباره مسلكا سليما لتحقيق الارتقاء الاجتماعي في ظل تفشي ظاهرة "الربح السهل" و"الكسب السريع غير المشروع" وهي ظواهر نخرت المجتمع التونسي خلال السنوات الأربعة الماضية ونسفت من الأساس قيمة الجهد والعمل.

ويضيف الأخصائيون أنه لا يمكن فهم ظاهرة الانقطاع عن التعليم خارج التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد وهي تحولات قادت إلى تهميش التعليم باعتباره خارطة طريق أمام الشباب لتحسين الأوضاع الاجتماعية وتحقيق الطموحات وضمان المستقبل.