الجبرتي وأزمة الصابون في العصر المملوكي

لم يزد الحال إلا عسرا

اهتم الجبرتي في تاريخه بمتابعة أسعار السلع الأساسية في الأسواق!

وهو بهذا انحاز إلى جانب الطبقات الفقيرة، ولم يكتف كغيره من المؤرخين، بأخبار الحكام والولاة والعظماء.

وفى صفحات كتابه الضخم أحداث متلاحقة عن مجاعات ومكابدات من شح البضائع وغلو ثمنها!

لذا فإن ما كتبه يعتبر وثيقة نادرة لأحوال المجتمع المصري في عصر المماليك ومحمد علي.

وضمن الوقائع المهمة في سنة 1231هجرية، تحدث عن اختفاء إحدى السلع المهمة التي لا يستغنى عنها غني أو فقير، هي الصابون!

وذلك لأن أصحاب وكالات الصابون رفعوا أسعاره بطريقة مبالغ فيها، متعللين بارتفاع تكاليف صناعته، وكثرة المكوس والغرامات!

ومن ثم شح في الأسواق وأصبح الحصول عليه من أصعب الأمور!

ضج الناس بالشكوى، حيث توقف غسيل الملابس ونظافة الأبدان، ولم يعد لأحد القدرة على التحمل!

وتجمع العلماء والقضاة والعامة أمام الباشا، فحولهم إلى الكتخدا للاختصاص.

صار لازما أن تتدخل السلطة لوضع الأمور في نصابها، ومن ثم تم تسعير الرطل من قبل الكتخدا بست وثلاثين نصفا، بعد دراسة مستفيضة لتكاليف صناعته، مما يتيح ربحا مجزيا للمنتجين.

نتابع مع الجبرتي تطور الأمر:

"فلم يرتضوا بذلك، وبالغوا في التشكي، فطلب قوائمهم وعمل حسابهم، وزادهم خمسة أنصاف في كل رطل، وحلف ألا يزيد على ذلك، وهم مصممون على دعوى الخسران".

تذمروا من فكرة تحديد الثمن، وأعماهم الجشع، فتحايلوا لعدم تنفيذ الأوامر، وأصبحوا يبيعون إنتاجهم في الظلام وبإلحاح شديد من المستهلكين!

لم يجد الكتخدا سوى التدخل المباشر، لضبط السوق، ومكافحة احتكار التجار وجشعهم، فأرسل أحد أتباعه من الأتراك لمباشرة البيع وعدم الزيادة!

كان التركي يحضر إلى الخانات ويراقب البيع بالتسعيرة، ويمكث ساعتين يوميا ثم يوقف النشاط!

"وفي ظرف هاتين الساعتين تزدحم العسكر على الشراء، ولا يتمكن خلافهم من أخذ شيء! وتخرج العسكر فيبيعون ما اشتروه بزيادة فاحشة".

وهكذا تفشل خطة التسعير، ويظل الفقراء والضعفاء في ضنك وشدة، فلا يجد المسئولون سوى إقامة منافذ حكومية لبيع الصابون! يجلس فيها رجال تابعون للدولة، وبحوزتهم كميات كبيرة من الصابون المدعم!

فهل نجحت الخطة؟ وهل وجد المواطن حاجته وعاد بها إلى بيته بثمن معقول؟

لم يحدث ذلك للأسف، وظلت الأزمة على حالها:

"ورفع التشكي إلى كتخدا فأمر ببيعه عند باب زويلة، في السبيلين المواجه أحدهما للباب، والسبيل الذي أنشأته الست نفيسة المرادية، تجاه الجامع المؤيدي ليسهل على العامة تحصيله وشراؤه، فلم يزد الحال إلا عسرا!"

لماذا فشل هذا الحل الجرئ؟:

"وذلك أن البائع يجلس داخل السبيل، ويغلق عليه بابه، ويتناول من خروق الشبابيك، من المشترى الثمن ويناوله الصابون!

فازدحمت طوائف العسكر على الشراء، ويتعلقون بأيديهم وأرجلهم على شبابيك السبيلين! والعامة أسفلهم لا يتمكنون من أخذ شيء! ويمنعون من يزاحمهم، فيكون على السبيلين ضجة وصياح من الفريقين، فلا يسع ابن البلد الفقير المضطر، إلا أن يشترى من العسكري بما أحب، وإلا رجع إلى منزله بلا شيء!".