اتحاد الشغل يسعى لانتزاع حقوق 'الفقراء الجدد' في تونس

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أولوية الأولويات

يراهن العمال التونسيون الذين يحتفلون الجمعة بعيد العمال العالمي على الاتحاد العام التونسي للشغل للدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وفي مقدمتها تحسين مستوى المعيشة الذي تدهور بنسبة لا تقل عن 40 في المئة منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011، فيما حذر الأمين العام للاتحاد حسين العباسي من أن "أوضاع العمال المتردية تؤشر على انفجار اجتماعي وشيك وفوضى اجتماعية، لافتا إلى أن 20 بالمئة من ثروة البلاد توزع على 80 بالمئة من أبنائها المفقرين و‏ضعاف المقدرة الشرائية، و80 بالمئة من ثروة البلاد يستحوذ عليها 20 بالمئة من الأثرياء.

ويعتبر العمال أنفسهم أنهم "الضحية الأولى" للأزمة التي تتخبط فيها البلاد منذ أربع سنوات في غياب أية سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة وعملية من شأنها أن تحقق حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية الأمر الذي قادهم إلى تنفيذ مئات الإضرابات في مختلف القطاعات مسنودين بدعم اتحاد الشغل الذي ما انفك يؤكد أن 90 بالمئة من الإضرابات هي "شرعية".

ويرجع العباسي "غضب" العمال إلى إحساسهم بالحيف الاجتماعي ووعيهم بعدم التوزيع العادل لعائدات الخيرات، مشددا على أن عمال تونس تعرضوا منذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 إلى عملية "تفقير ممنهجة"، لافتا إلى أن 20 بالمئة من ثروة البلاد توزع على 80 بالمئة من أبنائها المفقرين و‏ضعاف المقدرة الشرائية، و80 بالمئة من ثروة البلاد يستحوذ عليها 20 بالمئة من المتمولين ورجال الأعمال ‏الذين يتمتعون بامتيازات الاستثمار، ولكنهم لا ينفذون المشاريع التي من شأنها أن توفر التنمية للعمال خاصة وللتونسيين عامة.

وإضافة إلى حالة التفقير قادت سياسات الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الأربعة الماضية إلى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى أكثر من مليون عاطل، منهم 520 ألفا من حاملي الشهادات الجامعية العليا على الرغم من أن الدستور ينص على أن "الشغل حق من حقوق" كل التونسيين.

‏وإزاء تصاعد منسوب الاحتقان الاجتماعي الذي عكسته المئات من الإضرابات المشروعة لم يتردد العباسي في القول إن "رياح الثورة لم تصل إلى المنظومة التشغيلية، بل ظلت كما كانت، أي قائمة على استغلال ‏الأجير وانتهاك حقوقه وتحرمه من التغطية الاجتماعية، وتمتص دمه بقانون الجباية المجحف".

ولم تكن "صيحة الفزع" التي أطلقها العباسي بمعزل عن اتجاهات الرأي العام لدى العمال حيث تشير عمليات سبر الآراء إلى أن 86 بالمئة من العمال يقولون حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية تراجعت منذ انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011، فيما رأى 71 بالمئة أن الأوضاع المتردية في البلاد تؤشر على أن "مستقبل أبنائهم اقتصاديا واجتماعيا سيكون أسوأ من وضعهم الحالي".

ويؤكد عمال تونس على أن "التوزيع العادل لعائدات الخيرات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والحد من الفوارق بين مختلف فئات المجتمع تتصدر أولويات مطالبهم"، حيث أظهرت دراسة حديثة أن 86 بالمئة من العمال يعتبرون حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية أولوية الأولويات.

ويقول 81 بالمئة من العمال إن "الحقوق السياسية" لا تعني لهم شيئا في ظل "غياب الحقوق الاقتصادية الاجتماعية". ويدافع اتحاد الشغل أقوى منظمات المجتمع المدني على الإطلاق عن حقوق العمال باعتبارها "محرار التجربة الديمقراطية وتعكس مدى احترام الدولة لحقوق الإنسان.

وبدا اتحاد الشغل خلال السنوات الأربع الماضية قوة اجتماعية تدافع بشراسة لا فقط على حقوق العمال وإنما أيضا على حقوق الفئات الهشة التي فتك بها الحيف والتهميش والتفقير مطالبا بتكريس "الديمقراطية الاجتماعية" عبر "التوزيع العادل لعائدات الخيرات" بعد أن تدهورت المقدرة الشرائية بنسبة عالية جدا ناهزت 40 في المئة، وفق تقرير للمنظمة التونسية لحماية المستهلك.

ويرى عمال تونس أن اتحاد الشغل الذي يدافع عن حقوقهم لا يتوقف دوره خلال هده المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس عند "الشأن النقابي" بل يشمل الملفات الاجتماعية الكبرى التي تعد من الأولويات التونسيين وفي مقدمتها توفير التنمية في الجهات الداخلية المحرومة الأمر الذي دفعه إلى قيادة جهود من أجل الدفاع عن التنمية العادلة من خلال تمسكه بـ"ضمان التوزيع العادل لعائدات الخيرات" والحد من الفوارق الاجتماعية.

ويراهن عمال تونس على اتحادهم بخصوص "نشر التنمية المتضامنة" بين مختلف الجهات والفئات من أجل النأي بالبلاد عن "الاقتصاد المتوحش" الذي قد تنزلق فيه تونس تحت ضغط المؤسسات المالية المانحة الإقليمية والدولية.

ولا تتردد المركزية النقابية في التحذير من أن "الديمقراطية السياسية" قد لا تعني الكثير للعمال إن لم تترافق مع "ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية" التي تقوم على التوزيع العادل لعائدات الخيرات بين جميع فئات المجتمع تكريسا لمبدأ المواطنة الذي ينبني على أساس المساواة في والحقوق.

ويقود اتحاد الشغل جهودا مسنودا بما لا يقل عن 700 ألف عامل من أجل انتهاج "سياسات اقتصادية واجتماعية تضامنية تحقق السلم الاجتماعية وتضمن نفس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية من خلال "إرساء نموذج تنموي جديد ينبني على مفهوم الاقتصاد التضامني" بعيدا عن الفوارق المجحفة التي مزقت النسيج الاجتماعي.

وألقى تزايد حدة الفوارق بين فئة الأثرياء أو ما يعرف في تونس بـ"المجتمع المخملي" وبين العمال بظلاله على رؤية الأجراء لنوعية المشكلات التي تواجه المجتمع. حيث أظهر استطلاع للرأي أن 77 بالمئة من العمال يعتبرون الهوة بين الفقراء والأغنياء "مشكلة كبرى" تهدد استقرار البلاد و"تؤجج حقدا اجتماعيا" يعد أرضية خصبة للاضطرابات والانتفاضات والاحتجاجات.

وتستبطن الفوارق الاجتماعية فوارق خطيرة لا تتعلق فقط بمستوى العيش وإنما تتعلق أيضا بنوعية العيش. إذ في الوقت الذي يتجاوز فيه مجموع نفقات الأسرة الثرية الواحدة 15 ألف دينار (حوالي 10 آلاف دولار) شهريا لا يتجاوز مجموع نفقات الأسرة المتوسطة الواحدة 1500 دينار (حوالي 1000 دولار) شهريا، فيما تعيش الأسرة الفقيرة على 150 دينارا (حوالي 100 دولار) شهريا.

وأظهرت الدراسة أن "رقعة الفقر توسعت خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 30 بالمئة بعد أن تآكلت الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى وفقدت موقعها الاجتماعي لتتدحرج إلى فئة الفقراء نتيجة التحولات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية، في ظل نسق تصاعدي مشط لارتفاع الأسعار مقابل سياسة تأجير شبه جامدة مما أدى إلى بروز \'ظاهرة الفقراء الجدد\' أغلبهم من العمال والأجراء وصغار الموظفين في القطاع العام".

وتعرف الدراسة الفقراء الجدد بـ"صغار الموظفين بالإدارة والمدرسين بالمدارس الابتدائية والإعدادية والعمال والأجراء الذين لا تتجاوز مرتباتهم وأجورهم الشهرية 700 دينار أي حوالي 500 دولار".

وقادت نتائج الدراسة إلى أن 87 بالمئة من الفقراء الجدد "اضطروا إلى مهنة ثانية لا تتناسب ومكانتهم الاجتماعية مثل ممارسة تجارة المواد المهربة وبيع الخضار والمواد الغذائية والجزارة وبيع الألبسة ومنهم من يعمل كبائع متجول في الشوارع" ليلتحق بزملاء محمد البوعزيزي أصيل مدينة سيدي بوزيد الذي أحرق نفسه في 27 ديسمبر/كانون الأول 1999 وكان شرارة اندلاع الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011.

ويرجع أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية طارق بالحاج بروز "الفقراء الجدد" إلى "عمق التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس خلال السنوات الأربع الماضية في ظل أزمة حادة مزقت منظومة النسيج الاقتصادي والاجتماعي وهزت المكانة الاجتماعية لعديد فئات المجتمع وفي مقدمتها الشرائح السفلى من الطبقة الوسطى التي لم تتحمل تداعيات التحولات وعجزت على مجابهة انفلات الأسعار ما أدى إلى تدهور حاد في مقدرتها الشرائية ومن ثم انزلقت لتلتحق برقعة الفقر".

وقادت السنوات الأربع إلى مشهد اجتماعي مرئي تعصف به مظاهر الفقر المدقع ومظاهر الثراء الفاحش، إذ في الوقت الذي يعيش فيه 10 بالمئة من التونسيين على حوالي 300 دولار سنويا يترفه 20 بالمئة بما يتجاوز 120 ألف دولار، مما أفرز سلوكيات استهلاكية تظاهرية مستفزة للعمال والإجراء.

وإزاء الخطورة التي باتت تمثلها حدة الفوارق الاجتماعية على استقرار المجتمع أطلق اتحاد الشغل صيحة فزع، محذرا من أن "المجتمع التونسي يخطو نحو التفكك والتمزق الذي لا يقود إلا إلى احتقان يهدد السلم الاجتماعية".

وتعهد حسين العباسي بأن المركزية النقابية ستعمل مع حكومة الحبيب الصيد على "وضع أسس الاقتصاد التضامني" باعتباره تجربة ناجحة في عديد البلدان قلصت من الفوارق الاجتماعية وعززت السلم الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع، مشيرا إلى أنها تجربة من شأنها ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال والأجراء عامة.

ويعكس تمسك الاتحاد بـ"بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للعمال" وعيا عميقا لا نقابيا فقط وإنما سياسيا أيضا، باعتبار أن "الحيف الاجتماعي" هو المنفذ الخطير الذي يهدد استقرار البلاد وأن التونسيين قد يصبرون على "الظلم السياسي"، لكنهم لا يتسامحون أبدا مع "القهر الاجتماعي".