سلطة الأبنودي الثقافية والاجتماعية

يتصدر المشهد دائما

اختارني الشاعر الراحل الكبير عبدالرحمن الأبنودي لأنضم إلى دائرة أصدقائه الذين سمح لهم أن يدخلوا بيته ويطلعوا على الكثير من تفاصيل حياته، وأسرار إبداعه، وربما كنت من القلائل الذين دعاهم لصحبته في حجه إلى مسقط رأسه في الصعيد وفي جولاته بمحافظات الدلتا.

والسفر مع الأبنودي هو الذي جعلني أوقن أنه كان بمفرده سلطة ثقافية واجتماعية أتاحتا له أن يخدم موهبته الإبداعية المتفردة التي لو لم تستند إلى قدرات الأبنودي وذكائه وثقافته ورؤيته النافذة للحياة والبشر والسلطة لما مكنته من أن يبلغ المكانة التي احتلها في الوجدان الشعبي المصري، وباطمئنان أستطيع أن أقول إن الأبنودي لا يدانيه مبدع آخر شهرةً عند البسطاء الذين وعى بذكائه كيفية النفاذ إليهم بالقصيدة التي توسلت بالغناء عبر أشهر الأصوات وأقواها لإدراكه أن ما يبدعه من شعر عامي لن يوصله إلى أوسع دائرة من التلقي إلا عبر أصوات تمتلك موهبة في الغناء في حجم موهبته الشعرية، ومع ذلك لم يغفل أهمية الديوان المطبوع والأمسية الشعرية التي يواجه من خلالها جمهوره بنفسه فينشد قصيدته بأداء أخّاذ يسحر الألباب ويؤكد قدرته على امتاع الوجدان العربي، ولا أقول المصري فقط، رغم أنه ألزم نفسه ما لا يلزم عندما كتب بالعامية، لكنه سرعان ما جعلها تصل للعرب أجمعين.

والعجيب أن نثر الأبنودي لا يقل أهمية عن شعره، وهنا أشير إلى عبقريته في كتابة "اليوميات" التى كان يبث عبر أسطرها أفكارًا لا تستوعبها الأغنية، ويمارس فيها سلطته كمؤسسة ثقافية لا يمكن لأحد أن يقف في وجهها لأنه الأبنودي.

وسلطته هذه هي التي مكنته من أن يظل على الدوام متصدرًا المشهد في الصف الأول، ينجح في أن يجعل السلطة السياسية تحسب له ألف حساب، وإلا.. كيف يمكن تفسير سر تفرغ اثنين من المحافظين في صعيد مصر لزيارة الأبنودى لجامعة جنوب الوادي في قنا عام 2007 عندما نجح الصديق الشاعر الدكتور محمد أبوالفضل بدران في دعوته لمهرجان يكرمه فيه وسط ألوف الطلبة والطالبات؛ فقد استقبله محافط الأقصر الدكتور لواء سمير فرج في مطار الأقصر واصطحبه إلى الفندق ونحن برفقته،أنا ويوسف القعيد، قبل أن نتجه معه إلى قنا فيرافقنا محافظها، آنذاك، اللواء مجدي أيوب الذي حضر تكريم الأبنودي في الجامعة بعد أن استقبله بمكتبه وأقام له مأدبة غذاء استثنائية دعا إليها القيادات السياسية والتنفيذية، وعلى الرغم من لطف ذلك المحافظ الذي كان يود أن يطلع الأبنودي على المشروعات التي أنجزها في قنا، فقد فاجأه الأبنودي بقوله: "اإيه يا سيادة المحافظ إنت عشان غديتنا ح تشغلنا عندك؟!"

وسلطة الأبنودي تلك التي كان يواجه بها أصحاب السلطة السياسية هي التي كانت تنحاز إلى الغلابة الذين كان يسعى إليهم حيث هم.

وربما يؤكد هذا وقوفه برجولة إلى جانب المطرب محمد رشدي وهو يجتاز محنة مرضه الأخير، هذه الوقفة التي حثّ فيها الدولة على علاج هذا المطرب العظيم، وتوجهه إلى الزجال السكندري الراحل السيد عقل ليطمئن عليه ويستمع إلى أزجاله لساعات وساعات في نادي الشبان المسيحيين بالأزاريطة بالإسكندرية.

الكاتب في صحبة الشاعر

أعود إلى رحلتي مع الأبنودي إلى قنا التي لازمنا فيها الصديق الشاعر الدكتور محمد أبو الفضل بدران، لنرى كيف استقبل الجمهور الذي يقدر بالألوف صاحب "جوابات حراجي القط" استقبالًا حارًا أكد له مدى تأثيره في مجتمعه الذي نزح عنه في عام 1959 هو وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبدالله إلى القاهرة ليواصلوا رحلتهم في اقتحام مدينة بلا قلب.

في الرحلة، التي رافقته فيها أنا ويوسف القعيد فقط، حرص الأبنودي على أن نتوجه معه إلى مركز "قفط" لنزور أسرة أمل دنقل في قرية "القلعة" ونقرأ الفاتحة على روحه أمام قبره، وما أن وصلنا لمدخل القرية حتى وجدنا "أنس" شقيق أمل ورجال الأسرة جميعهم في استقبال عبدالرحمن الأبنودي، وقد بدا التأثر واضحًا على عبدالرحمن وهو في حضرة أمل رفيق رحلته الإبداعية والبحث عن الموروث من الأجداد، ومن "القلعة" ذهبنا إلى أبنود وكانت فرحة الأبنودي عامرة وهو يشير إلى لافتة على الطريق بين الأقصر وقنا كتب عليها "إلى مركز السيرة الهلالية"، ألم أقل لكم أن الأبنودي كان بمفرده سلطة مكنته من أن يجبر صندوق التنمية الثقافية على أن يشيد مكتبة ومركزًا لتوثيق السيرة الهلالية في "أبنود".. مسقط رأسه، ويهديه ما لديه من كنوز الكتب والصور والمخطوطات في مجال السيرة الشعبية.. والهلالية على وجه التحديد، وبالمناسبة يكون هذا المركز الثقافي موقعًا لتوظيف شباب البلد؟

***

دخلت بيت الأبنودي القاهري بمدينة الصحفيين عدة مرات، وكنت ضيف الأسرة على مائدة رمضان، وذات مرة سألته أن يسمي لي 12 شخصية يتمنى أن يجمعها على مائدة إفطاره، فأجاب قائلًا: "لأن بيتي، كما ترى، لا يضم مائدة تتسع لدستة من البشر، فيتحتم علي أن أطلب من نبيل غالي، مهندس العمارة الإسلامية الذي صمم أثاث البيت، لاستبدال مائدة الطعام المستديرة هذه بأخرى تتسع للضيوف جميعا؛ وسأترك أول كرسي إلي يميني خاليًا لتجلس عليه روح عم نجيب محفوظ، الذي رحل بين الرمضانين مخلفًا فراغًا كبيرًا في العالم الأدبي كله، فقد كنا نراه في الأسابيع الرمضانية الأربعة، وكانت إحدى متعنا أن نجلس معه ونتذكر أحوال رمضان أيام زمان وفي الأيام المبكرة في حياة مصر الحديثة وكانت له نفحات صوفية يطمئن إليها الجالس معه فيشرق بداخله حب حقيقي لمحفوظ.

وبعد أن رحل أقول له: والله يا أستاذ لقد أفهمتنا الحياة وعلمتنا كيف نحترم السن ولا نخاف من الشيخوخة، بل أن نبدع تحت سقفها حتي آخر لحظة.

وإلى جانب محفوظ أجلس صديقي الدكتور علي النويجي، وهو مفكر مصري وطبيب يعمل في دسوق وهو من الذين غاصوا بعمق في طبقات الحياة المصرية، وقد عرفته في المعتقل، وهو من أولئك الذين لا يمتهنون الثقافة ليتربحوا منها، مثل ناس تعرفهم جيدًا، بل ينفق ما يكسبه عليها، وأنا أعتبر نفسي تلميذًا له رغم أنه، شأن كل العظماء، ينكر هذا.

كما أفكر في دعوة الأستاذ هيكل، ولكن هل سيقبل دعوتي؟ وهو الميسور الحال ليجلس بجانب صديقه النويجي الذي زامله في المعتقل؟

وعلي فكرة هيكل كان دائمًا ما يأتي إلى مجلس الأستاذ نجيب محفوظ، وهو الذي دعاه ليصبح كاتبًا بالأهرام، وقد أسهم في نشر رواياته بصورة محترمة، ومنها طبعًا "أولاد حارتنا" التي هوجم هيكل كثيرًا بسببها.

ومن الراحلين أدعو صديقي المطرب محمد رشدي، فالأبنودي يؤمن بأن أمه أنجبته ليغني قصائده، فيختلف عن غيره من المطربين، ويوضح أن علاقة أسرته برشدي كانت حميمة للغاية، وكان هو الصوت الذي يشجي كل ضيوف هذا البيت.

ولن أنس دعوة صديقي الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الذي أعتبره تجربة شعرية يخطئ من لا يتابعها بعمق، فقد تطور تطورًا مخيفًا من قصيدة لأخرى ولم يغرق في عنكبوتيات الحداثة المبتذلة، ويقترب أكثر من احتضان فلسطين.

أما شاعر الربابة سيد الضوي، فلن أنساه، ولكن إذا دعوته مع الأفنديات سأظلمه وأظلمهم، فلقد اعتدت الأكل معه ولكن في بيته بقوص، أو في بيت الشيخ الأبنودي حيث كانت أمي فاطمة قنديل تطبخ لنا ونأكل بيدينا العيش الشمسي بالخضار واللحمة، لكنه لن يعرف الأكل بالشوكة والسكينة، لهذا سأعد له مائدة خاصة ليأكل على راحته وبعد أن ننتهي نجلس معًا ليشجينا بإنشاد السيرة الهلالية.

كما أدعو مندوبًا عن أبنود هو منصور الصعيدي ليعود فيحكي لأهل البلد عن الأفنديات المحترمين الذين عرفهم الأبنودي في مصر".

والصعيدي هذا هو في الأصل جزار لكن أبنود نطقت علي لسانه كما نطقت على لسان عبدالرحمن قبله فبدأ يكتب أشعارًا لكنها ليست موزونة.

وحتي لا تميل الكفة إلي جانب الفلاحين قرر الأبنودي أن يرسل دعوة إلى الفنانة آثار الحكيم التي يرى أنها صاحبة شخصية نادرة بين الممثلات، وقد أتت في زمن صعب لكن أدوارًا كبيرة تنتظرها في المستقبل.

ويخصص مقعدا علي المائدة لمهندس العمارة الإسلامية نبيل غالي منفذ بيته ومزينه بالمشربيات والأشعار المحفورة علي الرخام أو الخشب، والتي فضل الأبنودي أن تكون للمتنبي والنابغة الذبياني والشيخ الأبنودي والشعراء الشعبيين.

بالطبع ستكون علي المائدة زوجته نهال كمال التي خاضت حربًا مع أهلها لتقترن به. وهو يري أنها لم تأخذ فرصتها التي تستحقها بعد، وهي بطبيعتها لا تحتج ولا تخوض معارك من أجل مكاسب. ويعترف بأنها تزوجته لأنه يجيد الطبخ، وقد جعلها الآن أمهر طباخة، وهي بالنسبة إليه مكافأة آخر العمر، وقد وهبته "آية"، و"نور" اللتين سترحبان بالضيوف، لكنهما لن تجلسا معهم على المائدة.

وقد أكد لي الأبنودي أن بيته مضيفة لكثير من الشعراء ورجال السياسة والفن في العالم العربي، فلا يمكن مثلًا أن يأتي الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلي مصر إلا ويقيم في دار الأبنودي ويأكل الملوخية بالبط التي يشترك في إعدادها مع زوجته نهال كمال.

على فكرة يشد انتباهك في بيت الأبنودي القاهري الفانوس الرمضاني الكبير والأرائك الشعبية والأكلمة التي أحضر معظمها من تونس، عندما كان يقصدها لجمع مادة السيرة الهلالية.

وكان دائمًا يقول لي: "أنا أسير في هذه الدنيا بفضل أصدقائي من غير المشهورين، فأنا رجل يجيد الصداقة خارج ما يسمي بالوسط الأدبي".

رحم الله الأبنودي.. المبدع والإنسان.