ابو عبدو... بندقية ووصية

مقال بعنوان "وصية مبكرة" كتبته قبل عشر سنين في أيار/مايو 2005 بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وعودة رستم غزالة الى بلدته في سورية مع بندقية هدية من الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله. اعيد نشره مع اختصار بسيط.

ها أنذا أقابل هذه البندقية الهدية بعدما كنتُ أقابل حملة البنادق، ومع احترامي الكبير لرمزيتها، إلا أنني لا أريد ان أمضي ما بقي من عمري أنظر إليها متماهياً مع لحظات الفخر.

ها أنذا والبندقية الهدية، والضيوف الذين ألتقيهم هنا غير الضيوف هناك... هناك، في عنجر، كانت هداياهم تسبقهم وتلحقها مطالب ألبّيها من "كيسهم". هنا، في دارتي العامرة، مَن يزورني تسبقه مطالبه وتلحقها أمنيات بأن أهديه من "كيسي".

ها أنذا والبندقية الهدية، اختلف الوضع كثيراً ولم يعد لي "خلق" على الناس، زواري اليوم يطلبون مني ان أستخدم نفوذي لتقليص فترة تجنيد أبنائهم أو نقل مكان خدمتهم او جلب رخصة للبناء فوق السطح او توسيع قسطل المياه او إبعاد "شبّيح" في هذه الإدارة او تلك عن معاملاتهم... هناك، في الفيلا، لا يمرّ يوم من دون زيارة مليونير لي او مشروع مليونير او رئيس وزراء او وزير او نائب او رجل أعمال او إعلامي او رئيس حزب، طلباتهم ظريفة خفيفة و"من دهنو سقيللو"، وتلبيتها لا تحتاج سوى الى رفع سماعة الهاتف وأحياناً الى زيارة كي أحافظ على اللياقات مع بعض المراجع.

هناك، وبفضل الطبقة السياسية "المحترمة"، تجاوزتُ بسرعة عقدة مَن سكن عنجر قبلي (غازي كنعان)، تعاملوا معي في البداية على أنني ملحق وغير أساسي، ولم "يقصّر" سلفي في الحفر والتفخيخ لي، لكنهم في النهاية رضخوا بعدما تم تبليغهم بأن عبور الطريق الدولي يمرّ حصرياً عبري... و"ابتدا المشوار"، من رتبة الى أخرى، ومن ضيف الى حاكم، ومن عسكري الى دكتور، كنتُ الرتبة الاعلى بلا منازع.

صار الزلزال هناك، اغتيل الرئيس وكل ما اعتقدنا اننا بنيناه على مرّ عقود انهار بلحظة، وكل حساباتنا بالناس والأصدقاء والحلفاء كانت خطأ بخطأ. سألني الكبار هنا: ماذا سيفعل الشباب هناك اذا واجهوا لجنة التحقيق الدولية؟ أجبتهم أنني أبلغتُ كل واحد رسالة قصيرة مفادها: "بقدر ما تعطون اللجنة بقدر ما تأخذ منكم"، بمعنى آخر خير الكلام ما قلّ ودلّ من دون عقد نقص او تحسُّس الرأس او تلمُّس الرقبة، وحلفاؤنا اقتنعوا بنصيحتي خصوصاً بعد العرض الذي قدمتُه لهم عن المخطط الدولي الذي يستهدف هنا من... هناك.

لكن الكبار هنا غير مقتنعين بالالتزام هناك. وزاد "الطين بلة" تَرافُق الزلزال مع بثّ ذلك التلفزيون وثائق عن دوري في ذلك البنك (المدينة)، الأمر الذي سيشجّع آخرين على الحديث عن أدوار أخرى في مؤسسات أخرى، وسيجعلني أنتظر مَن يطرق بابي هنا ويقول لي: "في موضوع التحقيق الدولي فهمنا نظريتك، بقدر ما تعطون بقدر ما تأخذ اللجنة، أما في المواضيع الاخرى المتعلقة بك وبينها البنك، فالجماعة مستاؤون لان نظريتك صارت "بقدر ما تأخذ بقدر ما تأخذ"، ولان قضية البنك تحديداً وتدخّلك في القضاء وتلفيق التهم للناس بالعمالة للعدو لمجرد محاولتهم فضح أفلامك أضرّت كثيراً بالصورة هنا وشكلت وثيقة تاريخية على تدخلنا الخاطئ المبنيّ على مصالح خاصة...".

تفضّلوا، أصبحتُ أنا الآن هنا "وثيقة" لكل الأخطاء هناك، والآخرون أنقياء أتقياء شرفاء. ضاع كل ما فعلته للقضية الكبرى وللعلاقات المشتركة بحسابيْن وشهادتيْن علميتيْن... و"خير يا طير"، فالحسابات كانت تتسلل من دولة الى اخرى الى ثالثة وتخرج في وضح النهار، والشهادات تعطى في الليل، والجنسيات وجوازات السفر تُمنح صباحاً وتستعاد مساءً، ومعسكرات التدريب للتصدير شرقاً وغرباً وجنوباً (وشمالاً في السابق قبل ان تحمر عين بني عثمان) على عينك يا تاجر، وأستطيع ان أكمل ما حجمه مجلدات لكنني يجب ان أحترم موقعي العسكري ولا أتحدث كثيراً في السياسة.

هم سيركزون معي الآن على الاستخدام السيئ للمنصب ولن يأتوا على ذكر الزلزال، وانا ايضاً لا أدري "شو ضرب على قلبي" وصرتُ أُكثِر من الكلام عن التضحية والفداء والروح والدم وعدم البخل بالغالي والنفيس من اجل الوطن.

ها أنذا أقابل هذه البندقية الهدية، يا سيدي الله لا يغير علينا وعسى ألا يطرق بابي مَن يوبّخني بطريقته الخاصة على كل شيء ويذكّرني بكلامي الدائم عن التضحية والفداء والربح الكبير الذي سيحظى به الوطن في حال تقلص حجم "الوثائق" التي تدينه (أقصد الوطن)، ويذكّرني بأن ما أحتاج الى تحقيقه في عشرة أعمار هنا حققته في عشر سنوات هناك، ويذكّرني بان تحقيقاً جدياً في ملفاتي هنا سيسيء الى تاريخي واسمي وعائلتي والعقوبة قد تتجاوز المؤبد، ويذكّرني بتجربة مماثلة ترجم فيها رئيس وزراء سابق كلامه (وهو للصدفة من منطقتي نفسها) عن التضحية والفداء الى عمل "محمود" بينما التحديات آنذاك لم تكن لتُقارن نهائياً بالتحديات الحالية.

عمل "محمود"، عمل "محمود"، عمل "محمود"... ماذا عمل محمود؟ او بالاحرى ماذا عملوا لمحمود؟ أف، لن أشغل نفسي بأسئلة جديدة، لكنني أستطيع التأكيد أن أكره ما أكرهه اليوم هو ان يدخل مَن يوبّخني ويدفعني الى ان "أفدي" وطني بعمل محمود... وبهذه البندقية الهدية.