تعديل وزاري منتظر في تونس مع تحذير اتحاد الشغل من 'ثورة ثانية'

نذر انفجار اجتماعي وشيك

قالت مصادر من الائتلاف الحاكم بين العلمانيين والإسلاميين إن رئيس الحكومة الحبيب الصيد "مستاء" من أداء عدد من الوزراء، وإنه "سيجري خلال الأيام القليلة القادمة تحويرا جزئيا على تركيبة الحكومة يشمل وزراء لم يثبتوا قدرتهم على التسيير الناجع للملفات التي تشغل اهتمام الرأي العام".

يأتي ذلك بينما حذر الأمين العام الاتحاد العام التونسي للشغل، حسين العباسي من "بوادر ثورة اجتماعية ثانية قد تشهدها تونس في ظل الأزمات المعيشية المستفحلة وتجاهل مطالب العمال واستمرار الفساد"، مشددا على أن "الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد يؤشر إلى انفجار اجتماعي وشيك وفوضى اجتماعية".

وذكرت نفس المصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها أن "رئاسة الحكومة قررت إعفاء عدد من الوزراء من مهامهم بعد عملية تقييم شاملة لأداء كافة الوزراء، وأنها ستعلن قريبا عن قرارها في إطار تحوير جزئي بهدف إلى تفعيل أداء الحكومة وتجاوز ضعف الأداء" الذي أثار انتقادات واسعة لا فقط في صفوف المعارضة وإنما أيضا في صفوف الائتلاف الحاكم بما فيها حزب حركة نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية.

ورفضت المصادر "الكشف" عن أسماء الوزراء الذين سيقيلهم الصيد مشددة على أن "إقالتهم لا علاقة لها بانتمائهم الحزبي وإنما بناء على ضعف أدائهم في إدارة ملفات ساخنة تعد من أولويات الحكومة وتتصدر مشاغل التونسيين".

غير أن تسريبات سياسية رجحت أن التحوير الوزاري سيشمل على الأقل 3 وزراء يتولون حقائب هامة.

ومند تشكيلها في 2 مارس/آذار 2015 بدت حكومة الصيد بالنسبة للشارع السياسي "حكومة تصريف أعمال" تفتقد لأي "خارطة طريق سياسية واضحة بشأن إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية حتى أنها لم "تتخذ" أية مبادرة سياسية من شأنها أن "حلحلة" الأزمة التي تعصف بالبلاد مند أربع سنوات الأمر الذي قاد إلى ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي من خلال تزايد عدد الإضرابات التي طالت أغلب القطاعات الحيوية والحساسة مثل التعليم والقضاء والصحة.

وتواجه الحكومة انتقادات لاذعة من سياسيين لا معارضين فقط وإنما أيضا من داخل الائتلاف الحاكم لكونها "لم تحدد بعد خارطة طريق واضحة وعملية بشأن معالجة الملفات ذات الأولوية مثل مكافحة الإرهاب وتوفير التنمية ومعالجة الفقر والبطالة وتحسين مستوى المعيشة" كما أنها لم تقدم للتونسيين "برنامج إنقاذ تونس من الأزمة" الذي تعهدت به أمام البرلمان.

العباسي يحذر

وحذر الأمين العام الاتحاد العام التونسي للشغل، حسين العباسي من "بوادر ثورة اجتماعية ثانية قد تشهدها تونس في ظل الأزمات المعيشية المستفحلة وتجاهل مطالب العمال واستمرار الفساد"، مشددا على أن "الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد يؤشر إلى انفجار اجتماعي وشيك وفوضى اجتماعية".

ودافع العباسي عن دور الاتحاد الاجتماعي والسياسي، قائلا "لا أحد يمكن أن يشكك في دورنا الوطني ونحن من أنقذ تونس في 2013 من انزلاق نحو السيناريو المصري والليبي وحتى السوري"، مضيفا "نحن نحل الأزمات ولا نختلقها"، لافتا إلى أن 90 بالمائة من الإضرابات قانوني تحركها مطالب مهنية قبل أن تكون مادية.

وخلال الأسابيع الماضية، ما انفك الاتحاد العام التونسي للشغل أقوى منظمات المجتمع المدني يوجه "انتقادات" لوزير التربية ناجي جلول لـ"عدم استجابته لمطالب المعلمين وأساتذة المعاهد الثانوية وكذلك أساتذة الجامعات" المتعلقة بالزيادة في الأجور وإسناد منح خصوصية بما يحسن من مقدرتهم الشرائية، الأمر الذي قاد إلى "توتر في العلاقة بين الوزارة وسلك التعليم بجميع أصنافه" وتصاعد الإضرابات.

وطالت انتقادات الشارع السياسي وزيرة السياحة سلمى اللومي بـ"سبب أدائها الضعيف" ورسم خطة من شأنها إنقاذ قطاع يعد أحد أهم "مفاصل الاقتصاد" الذي يحتاج إلى "خطة مدروسة" قادرة على استقطاب أهم الأسواق وفي مقدمتها أسواق بلدان الاتحاد الأوروبي التي يتصدر سياحها قائمة السياح الأجانب في البلاد، خاصة بعد الهجوم الإرهابي الذي استهدف متحف باردو في 18 مارس/آذار وخلف 70 ضحية أغلبهم من السياح الفرنسيين والألمانيين والإيطاليين والإسبانيين.

وعلى الرغم من أن حكومة الصيد هي "حكومة سياسية بامتياز" تشكلت بناء على "توافق حول توزيع الحقائب الوزارية بين الأحزاب المؤتلفة" فإن أداءها، كما يذهب إلى ذلك الكثير من المحللين، بدا "أداء فنيا أكثر منه سياسيا" حيث افتقدت إلى "رؤية سياسية واضحة" في التعاطي مع الشأن العام الوطني المعقد والمتأزم، خاصة في ما يتلق بالملف التنموي والإصلاحات الكبرى، مثل تفعيل عمليات الاستثمار الداخلي والخارجي الكفيلة بإنعاش اقتصاد منهك لا تتعدى نسبة نموه 2 في المائة.

ولم يتردد المحلل السياسي منذر ثابت في القول إن "الأحزاب المؤتلفة داخل الحكومة لم تسند الحبيب الصيد بأية رؤية سياسية واحدة وموحدة، وإنما دفعته إلى مواجهة مختلف الملفات الساخنة بمفرده".

تباين صارخ بين العلمانيين والنهضة

غير أن العارفين بكواليس "الائتلاف الحاكم" يرجعون "ضعف الأداء" و"غياب الرؤية السياسية" و"غياب البرنامج التنموي والسياسي والأمني" إلى "تباين صارخ" بين رؤية الأحزاب "المؤتلفة" بشأن "الطرق الكفيلة بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية"، مشددين بالخصوص على "خلافات جوهرية" بين العلمانيين وحركة النهضة الأمر الذي يفسر عدم "وضع خارطة طريق واحدة" على الرغم من مرور ثلاثة أشهر على مباشرة الحكومة لمهامها.

وفي ظل الاستياء العام من ضعف أداء الحكومة سارعت الأحزاب الائتلافية إلى البحث عن "آليات" للتنسيق فيما بينها بهدف "وضع تصور موحد لعمل الفريق الحكومي خلال الفترة القادمة" وهو ما يؤكد أن الحبيب الصيد قاد خلال الأشهر الماضية "جهوده وحيدا" مجردا من أية "رؤية سياسية تعكس توافق أحزاب الائتلاف بشأن طرق الحكومة في التعاطي مع مشاغل التونسيين.

وأقر القيادي في نداء تونس لزهر العكرمي بأن "هدف لقاء قيادات الائتلاف الحاكم كان هو الاتفاق على دعم الحكومة، وخاصة مرافقة العمل الحكومي، بما يقوي السند السياسي لقراراتها".

غير أن المحللين السياسيين يرجعون ضعف أداء الحكومة إلى "الحسابات السياسية لكل من نداء تونس صاحب الأغلبية البرلمانية وحركة النهضة القوة الانتخابية الثانية".

فقد شدد شكري بن عيسي في تصريحات صحفية على أن "حزب نداء تونس يعيش تجربته الأولى في الحكم، لذلك يبدو حذرا وما يهمه أكثر هو عدم سقوطه في أخطاء كارثية، قد تقود إلى القضاء على مستقبله السياسي".

أما حركة النهضة فهي "تفضل وجودها في الحكومة" مع تجنبها لأية مسؤولية قد تفضي إلى "فك" ائتلافها مع نداء تونس لذلك اكتفت بوضع "المراقب" الذي ينأى بها عن أية مسؤولية.

وإزاء "الاستياء" العام من ضعف أداء الحكومة وعدم مبادرتها بفتح الملفات التي تتصدر اهتمامات التونسيين وخاصة الملف الاجتماعي والمفاوضات بشأن الزيادة في أجور العمال والموظفين بما من شأنه أن "يخفف" من منسوب الاحتقان، لوح الاتحاد العام التونسي للشغل بأن "العمال سيجعلون من عيد الشغل الموافق لغرة مايو/أيار 2015 يوم غضب في حال لم تتعامل معه الحكومة بـ"جدية" وتوافق على الزيادات في الأجور قبل عيد الشغل.

واتهم الأمين العام المساعد بالاتحاد العام التونسي للشغل سامي الطاهري الحكومة بـ"عدم الجدية" في تعاطيها مع المفاوضات، مشددا على أن "هناك خلفيات وخفايا أخرى وراء تعطلها".

الجدير بالذكر أن حكومة الحبيب الصيد نالت ثقة البرلمان بأغلبية مطلقة آي بـ166 صوت من مجموع 204 صوت بعد أن وافق حزب نداء تونس على إشراك حركة النهضة. وتتركب الحكومة من 26 وزيرا و14 كاتب دولة.

ويضم الائتلاف الحاكم كل من نداء تونس وحركة النهضة وحزب آفاق تونس والاتحاد الوطني الحر والجبهة الوطنية للإنقاذ وعدد من الكفاءات ومن نشطاء المجتمع المدني.

ويرجح المراقبون أن أداء الحكومة سيحافظ خلال الفترة القادمة على سياسة "الأمر الواقع" أي "الاكتفاء بتصريف الأعمال" وهم يستبعدون إقدامها على إجراء إصلاحات كبرى وجذرية بسبب "الخوف" و"الحذر" من "مغامرات" قد تقود تداعياتها لا فقط إلى "انتكاسة" وإنما إلى "فشل" قد ينهي المستقبل السياسي لمختلف الأحزاب المؤتلفة، وفي مقدمتها نداء تونس باعتباره صاحب الأغلبية البرلمانية الذي كان تعهد بـ"برنامج تنموي وسياسي لانقاد تونس".