البشير يقف أمام حتمية الإصلاحات الداخلية لفك عزلة بلاده

التغيير يبدأ بالانفتاح على المعارضة

الخرطوم - ضمن الرئيس السوداني عمر البشير خمس سنوات جديدة في الحكم، ولكنه في ولايته الجديدة يواجه تحديات ربما تدفع بحكومته نحو التحرك داخليا وخارجيا لاخراج البلاد من العزلة الدولية وتخفيف العبء الاقتصادي عنها.

ومنذ وصوله الى السلطة عبر انقلاب عسكري في العام 1989، شهد حكم البشير ازمات عدة من الحصار التجاري الذي فرضته واشنطن بسبب استضافته لتنظيم القاعدة في التسعينات، الى انقسام الجنوب وفقدان الجزء الاكبر من العائدات النفطية.

والبشير، الفائز باكثر من 94 في المئة في الانتخابات الرئاسية، مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في اقليم دارفور حيث اودى النزاع الدموي منذ العام 2003 بحياة 300 الف شخص وفق الامم المتحدة.

لذلك فان التغييرات الضرورية تتخطى السياسة الداخلية الى العلاقات الخارجية وقد ظهر ذلك جليا في التحرك باتجاه دول الخليج لتتخلى بذلك الخرطوم عن تحالف ايراني سابق وفق محللين.

ويختصر المحلل الاقتصادي والكاتب في صحيفة "اليوم التالي" السودانية المستقلة عادل الباز خيارات البشير المستقبلية لفك العزلة عن بلاده في ثلاثة خيارات "اولها على الصعيد الداخلي عبر ايقاف الحرب وانجاز مصالحة داخلية، وثانيا عبر القيام بدور اقليمي في بعض الملفات مثل ليبيا واليمن وجنوب السودان واخيرا عبر استخدام تحالفاته القائمة سواء في المحيط الافريقي او من خلال تحالف عاصفة الحزم من اجل اعفاء السودان من ديونها ورفعها عن قائمة الارهاب" في اشارة الى وضع الولايات المتحدة للسودان على لائحة الدول الداعمة للارهاب في 1993.

ومن هنا يتفق محللون على ان التغيير الجذري في السياسة الداخلية قد يكون اساسا في موافقة الحكومة على مرحلة انتقالية كما تأمل المعارضة.

ووصف الاتحاد الاوروبي انتخابات 13 نيسان/ابريل بانها فاقدة للمصداقية كون الحكومة فشلت بالتزامها بعقد حوار وطني وعدت به العام الماضي، ويهدف الى حل النزاعات المسلحة الجارية في جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور ومعالجة الازمة الاقتصادية.

وفي هذا الشأن يقول الباز "لا يستطيع البشير ان يتجاوز الحوار بعد الانتخابات لانه اصبح مطلبا اقليميا ودوليا ومن كل الاطراف الداخلية".

وتشترط العديد من الدول الغربية المصالحة في السودان لتحسين العلاقات مع الحكومة.

ويصف استاذ العلوم السياسية في جامعة افريقيا في الخرطوم حسن مكي وضع السودان خلال المرحة المقبلة بـ"حالة من الشك ما لم تحصل مفاجآت اكان بالموافقة على فترة انتقالية او حصول انفراج سياسي كبير يطمئن فعلا بوجود تغيير فعلي".

اما الباحث والخبير في شؤون السودان الفرنسي جيروم تيبيانة فيقول ان "الحكومة الحالية ستجد نفسها بين خيارين، ابقاء الوضع على حاله وتركيز السلطة اكثر بيد الرئيس والاجهزة الامنية، او الدخول في مرحلة انتقالية تتضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية تشمل ممثلين عن المعارضة حتى المسلحة منها".

وازمة السودان لم تكن يوما سياسية وحسب، بل هي اقتصادية ايضا حيث لم تشهد البلاد يوما اقتصادا مزدهرا، وان كان شهد نموا ملحوظا في العقد الاول من القرن ال21 بفضل العائدات النفطية، ما لبث ان تراجع بعد انفصال الجنوب.

وخسر السودان 75 في المئة من عائداته النفطية مع انفصال الجنوب في العام 2011.

ويشير محلل الشؤون الاقتصادية في السودان خالد التيجاني الى "تراجع متوسط معدل النمو من حوالى 9 الى 2 في المئة في السنوات الاخيرة" تحديدا بعد انفصال الجنوب.

ولذلك ما يحدد ربما السياسات السودانية المقبلة هو مساعي الحكومة لرفع العقوبات وتحسين صورتها امام الغرب. من هنا يبقى الهم الاقتصادي كبيرا، وقد يكون انعكس في بحث الخرطوم عن حلفاء جدد.

ويضيف مكي "بلغت ديون السودان الخارجية 40 مليار دولار، وهو غير قادر على تسديدها، وبالتالي ترغب الحكومة الحالية بالدخول الى نادي الاعفاءات من الديون، وهذا لن يحدث طالما لن يتغير أي شيء في السياسة".

ويشارك السودان في عملية "عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن حتى انه ابدى استعداده لارسال ستة آلاف جندي اذا تطلب الامر تدخلا بريا.

ويوضح مكي ان "السودان انفتح في بادئ الامر على الصين وايران وتركيا. الا انه وجد في التحالف العسكري في اليمن فرصة خليجية تفتح له مجالات جديدة".

الامر الذي يتفق معه تيبيانة، ويضيف ان من شأن ذلك ان "يقوض التقارب مع ايران". وربما تتجه السودان اكثر صوب مصر، التي تطالبها "بالوقوف الى جانبها بالكامل" في قضايا من بينها سد النهضة الاثيوبي. ولكن يبقى "من مصلحة السودان الحفاظ على علاقات جيدة مع اثيوبيا".

وكثرت التكهنات عن استثمارات خليجية نتيجة لمشاركة السودان في "عاصفة الحزم".

وليست الاستثمارات الخليجية بالشيء الجديد على السودان، بل ان "اكبر الاستثمارات الآن خليجية. والعلاقة مع الخليج لم نبنها بين يوم وآخر"، حسب نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني الحاكم ابراهيم غندور.

وفي اي احوال فان اي استثمارات مستقبلية تحتاج الى ارض خصبة وهذا ما يفتقده السودان حاليا.