صور من الماضي والمستقبل

تختلف الشعوب والمجتمعات في مقدار تعلمها من التاريخ. فأوروبا مثلا تعلمت من كوارث صراعاتها في حربين مدمرتين فأقامت اتحادها الذي نراه أمامنا. أما الصهيونية الإسرائيلية فلم تتعلم شيئا من الهولوكوست الذي واجهه اليهود في أوروبا فانقلبت إلى وحش همجي دموي ينشد أناشيد الفرح الحقير في جنازات ضحاياه الفلسطينيين.

فأين نقف نحن العرب في أرض العرب؟ دعنا نستعرض بعضاً من الصور لنتعرف ملامح الجواب.

ما حدث ويحدث اليوم في العراق وسوريا وليبيا واليمن هو تكرار لمأساة العرب التاريخية بسقوط الأندلس، وتأكيد على مقولة أن التاريخ يعيد نفسه. صحيح أن هناك اختلافاً واسع المدى بين المأساتين إلا أن الأسباب والعوامل تتشابه وتكاد تكون واحدة وفي مقدمتها الاختلافات الحادة بين القيادات والطمع في الحكم وما جر إليه من تقسيم الدولة الواحدة إلى مجموعة دويلات متصارعة ومتنافسة وتشتيت القوة وتركيزها على "الشقيق" وإهمال العدو كل ذلك كان وراء ما حدث. وهذا كان الدرس الأندلسي بمضاعفاته وما تركه في النفس العربية من جروح مصحوبة بالندم العميق كان كافياً لتجنب تكرار المأساة، إلا أن الأطماع والرغبة في التسلط وغياب الحد الأدنى من الولاء للوطن الواحد القوي المتماسك الصامد في وجه العواصف قد أوصلت الأمة والوطن الكبير إلى ما هما عليه الآن من ضعف وهوان.

نجح الاستعمار القديم في بداية القرن العشرين في تقسيم الوطن العربي إلى دول قطرية في المشرق والمغرب، وفي الجزيرة العربية، والآن يحاول الاستعمار الجديد أن يفتت هذه الدول إلى دويلات طائفية وعرقية ليتمكن من ابتزازها أكثر ومن ضمان الوجود الدائم للكيان الصهيوني الذي تمت صناعته في الأساس للحيلولة دون توحد العرب في دولة واحدة بوصفهم شعباً واحداً متجانس الأصول والأعراف واللغة والتاريخ والجغرافيا.

صحيح أن مرض العرب المزمن يرجع إلي غياب استراتيجية المواجهة، ليس على المستوى العسكري فقط، وإنما على مستوى الحياة وتحدياتها المستمرة بشكل عام، ودائما ما نعتمد رد الفعل اساسا في تحركاتنا وسياساتنا، ولعلنا في عالم عربي ما بعد ثورات الربيع بتنا في مهب عواصف السياسات الدولية والإقليمية، لأننا لم نرتكز إلى رؤية استراتيجية واضحة ولو في الحد الأدنى، سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ما جعلنا لقمة سائغة للآخرين يوظفوننا بإرادة منا أو من دون إرادة لخدمة مشاريعهم، ويضعوننا في خدمة استراتيجياتهم، بصفتنا منفذين ولسنا فاعلين أو مشاركين.

لقد تحدث ساسة ومسئولون كثر عن ضرورة محاربة الفساد والاستبداد، وهذا شيء مطلوب، لأن وجودهما كان جزءا من المشكلة الأمنية والسياسية العربية، لكننا لم نضع استراتيجية لما بعدهما تجنبنا المنزلق الذي وجدنا أنفسنا فيه اليوم، فقد كانت الحماسة وتنفيذ رغبات الجماهير هي الدافع للمضي قدما على هذا الطريق، واكتشفنا لاحقا أن الذي وصلنا إليه يدعونا للاستنجاد بالماضي وسياساته المدمرة مرة أخرى، في مفارقة حقيقية تكشف عمق مأزقنا الاستراتيجي، أو غياب الرؤية التي كان يجب أن تحكم تصرفنا، لأننا لم نكن موحدين على هدف سياسي واضح، ولا نمتلك أرضية أمنية قادرة على تحمل العبء الكبير لمرحلة ما بعد الربيع، ولم نبن مؤسسات تستوعب واقعنا الرسمي والشعبي لننهض بالدولة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، الكل يتحدث اليوم عن ضرورة القضاء علي الإرهاب وهو هدف وطني كبير، لأن هذا السرطان إذا ما استمر فسيدمر كل شيء، لكن الشي الذي علينا أن نعرفه، وضروري جدا أن نعرفه، هو ماذا بعد القضاء علي الإرهابيين، أمنيا وسياسيا، وأقصد على المستويين الداخلي والخارجي معا، لأن الاحتفال بالنصر سيخنقه دخان المشاكل العالقة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وربما ستأخذ منا مشاكل أخرى عقدا آخر، قد نجد من يحلها على طريقة دمر حمامك القديم دون أن يملك المال الكافي لشراء غيره فأصبح يبيت في العراء!