النساء أو الحَمَام!

تشاغل عنهن بالحمام

في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك"، يعرض المقريزي صورة مزعجة لأحد سلاطين مصر!

إنه المظفر زين الدين حاجى بن الملك الناصر محمد بن قلاوون. ورغم أن أباه كان عادلا وتقيا ومحبا للعمران، فان هذا الابن لوث سمعته، وضرب مثلا في سقوط الهمة والانصراف إلى اللهو والعبث!

في يومياته، تابع المقريزي السلطان مركزا على تصرفاته الغريبة:

"وفى يوم الثلاثاء أول المحرم:

ركب السلطان في أمرائه الخاصكية (الخاصة)، ولعب بالكرة في الميدان تحت القلعة، فغلب الأمير ملكتمر الحجازي فلزم بعمل وليمة للسلطان في سرياقوس، ذبح فيها خمسمائة رأس غنم وعشرة أفراس، وعمل أحواضا مملوءة بالسكر المذاب، وجمع أرباب الملاهي وحضر إليه السلطان والأمراء".

وعن شغفه بالحظايا الجميلات، يحدثنا التاريخ عن احتفاظه بالعديد منهن، من أشهرهن: اتفاق وسلمى والكركية!

وقد تذمر الخاصكية، وهم رجاله المقربون من تهالكه عليهن، وانشغاله عن تدبير أمور المملكة، ومن إنفاق الأموال الوفيرة على الجواهر والزينة!

أصابته ثورتهم بالرعب، فتراجع وسمح لهم بإخراج النسوة بما عليهن من الثياب، من غير جواهر أو زركش وأن يقلعوا عصابة (اتفاق) ويدعونها عنده، وكان ثمنها مائة ألف دينار!

بعد نجاح حركة التطهير، استراحت نفوس القادة، وراودهم الأمل في مستقبل أفضل.

لكن السلطان النزق، شعر بالاكتئاب والملل، فأراد أن يتسلى ويمرح:

"فأحب أن يتعوض عنهن بما يلهيه ويسليه، وأنشأ حضيرا (حظيرة) بأعلى الدهيشة ركبه على صوار وأخشاب عالية، وملأه بأنواع الحمام فبلغ مصروف الحمام سبعين ألف درهم".

ويعود كبار القادة إلى انتقاد أفعاله، فلا يجد أمامه سوى قتلهم:

"وفي عصر يوم الأحد تاسع عشر من ربيع الآخر، قتل الأمير أقسنقر الناصري والأمير ملكتمر الحجازي وأمسك الأمير يزلار والأمير صفار والأمير ايتمش عبدالغني! وسبب ذلك أن السلطان لما أخرج اتفاق وغيرها من عنده، وتشاغل عنهن بالحمام صار يأتي إلى الدهيشة والأوباش، ويلعب العصا ويحضر الشيخ على بن الكسيح مع حظاياه، فيسخر له وينقل له أخبار الناس، فشق ذلك على الأمراء، وكلموا خاصته، فاشتد حنقه وأطلق لسانه، وصعد إلى السطح فذبح الحمام بحضرتهم وقال: والله لأذبحنكم كهذه الطيور!"

وهكذا أخرس الألسنة وخلا له الجو، فأعاد حضير الحمام ورتب له العبيد ونودي بإطلاق الألعاب في القاهرة فصارت للسلطان اجتماعات بالأوباش وأراذل الطوائف ومطيري الحمام فكان يقف معهم ويراهن على الطير الفلاني والطيرة الفلانية.

وبينما هو ذات يوم معهم عند حضير الحمام وقد سيبها، إذ أذن العصر في القلعة، فجفلت الحمام على مقاصيرها وطارت فبعث إلى المؤذنين إذا رأوا الحمام لا يرفعون أصواتهم!

وكان السلطان يلعب مع العوام ويلبس الجلد ليصارعهم ويلعب بالرمح والكرة ويظل معهم طول اليوم وفي الليل يلازم العواد الذي يعلمه العزف!

أما عن حال الشعب، فكان في ضنك عظيم، يقاسى شظف العيش بلا أمل، فقد ارتفع ثمن القمح من أربعين درهما إلى خمسين، وغلا اللحم وسائر الأنواع المأكولة وتوقفت الأحوال وكثر السؤال لقدوم أهل النواحي إلى القاهرة مع كثرة المناسر والمفسدين.

ويصل الأمر إلى ذروته، فتقع المواجهة بين السلطان وقادته، ويسقط أسيرا بين أيديهم فيتذلل:

- بالله لا تستعجلوا على قتلي وخلوني ساعة!

ويجئ الرد حاسما: فكيف استعجلت على قتل الناس؟ لو صبرت عليهم لصبرنا عليك.