تونس... ثالوث الإرهاب والزجر والحرية

حماية البلاد والعباد أولاً

من يوم إلى آخر، نكتشف إلى أي مدى يمثل الإرهاب، إذا ما حل في بلد ما، ورطة كبرى وأزمة لا متناهية، تفعل فعلها في المسائل الكبرى والتفاصيل معا.

ورطة لأنها تضع الجميع أمام صعوبة تجنب سيناريو التضحية بما هو يتصل بالأساس بالمبادئ والمكاسب المنجزة الإيجابية.

ففي هذا الإطار يتنزل حسب رأينا الجدل الحاصل اليوم حول مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة، الذي تقدمت به الحكومة إلى مجلس النواب بعد تبنيه في مجلس وزاري.

طبعا المشكلة ليست في الجدل في حدّ ذاته. فتلك علامة صحة ومن الجيد أن تعيش الحياة السياسية في تونس على وقع النقاشات والجدل والاختلافات. ولكن المشكلة تكمن في أن موضوع الجدل المشار إليه مركب ومعقد إلى أبعد الحدود. وكلّما أردنا تقريب الهوة بين الانتصار لقيمة الحرية والدفاع عن معطيات الواقع في صلته بالإرهاب، ازداد التعقيد وتضاعفت صعوبة تبني موقف واضح وصريح. فكيف ذلك؟

أولا يبدو لنا كما ذهب إلى ذلك الكثيرون من أهل السياسة والإعلام أن مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة ضعيف في مدى دستوريته، بحكم أنه يتضارب مع بنود الدستور بشكل لا يترك مجالا للشك. ذلك أنه ورد في التوطئة الخاصة بالدستور إشارة صريحة إلى أن القيم الإنسانية الكبرى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان من المرجعيات المعتمدة في صياغة فصول الدستور وبنوده. إضافة إلى أن ما تعهد الدستور بضمانه في مجال الحريات الأساسية والعامة ،يصطدم بشدة مع مضامين مشروع القانون المشار إليه.

ولكن المنطق يفرض علينا طرح السؤال التالي: ما الذي يجعل الحكومة الرّاهنة التي هي نتاج مرحلة ما بعد الثورة، تتبنى هكذا مشروع مستفز من الاسم إلى المضمون؟ كما نتساءل: كيف يمكن تفسير انخراط بعض الوزراء الذين يعدون من عتاة حقوق الإنسان في هذا المشروع دون اعتراض داخل المجلس الوزاري ودون تقديم استقالات كتعبير منهم عن رفضهم في المشاركة في تمرير هذا المشروع إلى السلطة التشريعية؟

أعتقد أن الإجابة على السؤال الأخير لا تحتمل أكثر من إجابتين واضحتين: الأولى أن هؤلاء الحقوقيين قد وقعوا في فخ الكراسي. والإجابة الثانية أن هناك معطيات موضوعية، ضغطت على الجميع دون استثناء لتبني هذا المشروع وتقديمه لمجلس النواب.

وأنا من ناحيتي أرجح الإجابة الثانية وذلك ليس من باب الثقة العمياء في كل من ناضل في مجال حقوق الإنسان وإنما لأن بلدان أعتى منا في الديمقراطية وأكثر عراقة وتجربة، اضطرت من أجل أمنها القومي إلى التضييق على الحريات في إطار حربها على الإرهاب. وهنا يمكن الإشارة إلى الجدل الذي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية مرات عدّة. ونقصد بذلك ما لجأت إليه من قوانين تمس حقوق الإنسان وحرياته في العمق بعد تاريخ أحداث 11 سبتمبر 2001.

إذن الرسالة الأولى التي يمكن التقاطها عند الإعلان عن مشروع قانون زجر الاعتداءات على القوات المسلحة، أن واقع المعركة على الإرهاب في بلادنا أخطر ممّا نتصور جميعا وأن مقتضيات المعركة، تتطلب على ما يبدو التقطير في الحريات والتضييق عليها.

طبعا المدافعون عن الحرية والحريات بما فيها حرية الإعلام من حقهم – وحتى من واجبهم-التشبث الدائم والمستميت من أجل عدم المساس بالحريات. فالأصوات المدافعة عن المبادئ لا يجب أن تنحني للواقع ويجب أن تظل دائما عالية النبرة وشادية بالحرية.

لكن في المقابل أعتقد أن المطلوب قراءة مشروع القانون قراءة تأتي على المستبطن أكثر من الظاهر.ومن جهة أخرى، من المهم أيضا حسب اعتقادنا تحويل جزء من الجدل إلى مدى إمكانية الاكتفاء بتدابير استثنائية مستعجلة وظرفية دون اللجوء إلى القوانين التي تطرح بدورها جدلا وتناقضات.

آمال موسى المقدمي
كاتبة تونسية