غالبية التونسيين يفضلون التنمية على الديمقراطية

مطالب ملحة للحد من الفوارق الاجتماعية

بعد أربع سنوات من الصبر إلى حد الجلد قال 93 بالمائة من التونسيين إن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية ومستوى المعيشة قبل انتفاضة 2010 كانت أفضل بكثير مما هي عليه الآن فيما قال 71 بالمائة أن الوضع في تونس كان يمكن أن يكون أفضل لو لم تقم الانتفاضة وأكد 57 بالمائة أن مستقبل أبناءهم على المستوى المادي سيكون أسوأ من وضعهم الحالي وشددوا على أن التوزيع العادل لعائدات الخيرات وتحقيق الديمقراطية الاجتماعية والحد من الفوارق الاجتماعية تتصدر أولويات مطالبهم من حكومة الحبيب الصيد الائتلافية بين علمانيين وإسلاميين.

وأظهرت دراسة أعدها مركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية أن 87 بالمائة من التونسيين يختزلون مطالبهم في التنمية الاجتماعية فيما قال 13 في المائة فقط إنهم يطالبون بالديمقراطية السياسية ما بدا مؤشرا قويا على أن اتجاهات الرأي العام تجعل من التنمية"أولوية قصوى قبل الديمقراطية".

ورأى 76 من المستجوبين أن الديمقراطية السياسية لا تعني شيئا في ظل تردي مستوى المعيشة فيما أجاب 24 بالمائة أن الديمقراطية تعني الكثير بالنسبة إليهم، وتتباين مواقف التونسيين بحسب "الانحدار الاجتماعي" حيث شدد 87 بالمائة من المستجوبين المنحدرين من الفئات الهشة أنهم "يطالبون بالتنمية قبل الديمقراطية" فيما قال 13 في المائة إنهم يطالبون بالديمقراطية، وبالمقابل قال 77 بالمائة من المستجوبين المنحدرين من الفئات الميسورة أنهم يطالبون بالديمقراطية فيما أجاب 23 بالمائة أنهم يطالبون بالديمقراطية والتنمية في آن واحد.

وفي ظل غياب خارطة طريق واضحة للحكومة بدا الاتحاد العام التونسي للشغل "القوة الاجتماعية والسياسية والمدنية" خلال الأشهر الأخيرة التي تتبنى مطالب غالبية التونسيين وتدفع الحكومة باتجاه "تحقيق الديمقراطية الاجتماعية" من خلال "التوزيع العادل لعائدات الخيرات" و"تنفيس الاحتقان" الذي تصاعد منسوبه خلال الأسابيع الماضية نتيجة تعثر المفاوضات الاجتماعية مع الحكومة بشأن الزيادة في أجور العمال والموظفين الدين تدهورت مقدرتهم الشرائية بنسبة لا تقل عن 40 في المائة في ظل اشتعال الأسعار واستفحال ظاهرة المضاربة في الأسواق والاحتكار.

ويعتبر الإتحاد أن دوره في مثل هده المرحلة الدقيقة التي تمر بها تونس يتجاوز الشأن النقابي ليشمل الملفات الاجتماعية الكبرى التي تعد من أولويات التونسيين وفي مقدمتها توفير التنمية في الجهات الداخلية المحرومة الأمر الذي دفعه إلى قيادة جهود من أجل الدفاع عن الديمقراطية الاجتماعية من خلال ضمان التوزيع العادل لعائدات الخيرات.

ويقول الأمين العام للإتحاد حسين العباسي إن المركزية النقابية تعمل على نشر التنمية المتضامنة بين مختلف الجهات والفئات من أجل النأي بالبلاد عن "نمط الاقتصاد المتوحش" الذي قد تنزلق فيه تونس تحت ضغط المؤسسات المالية المانحة الإقليمية والدولية إذ لا يخفي توجسه من الشروط التي عادة ما تمليه تلك المؤسسات على البلدان قبل أن تمنحها القروض.

وبدت تونس خلال الأربع الماضية ساحة مفتوحة على مشهد اقتصادي شرس ومتوحش في حل من أي التزام باحترام القوانين بل في حل من أية أخلاق كثيرا ما تؤطر مسالك الثراء وتضفي عليها المشروعية الأدبية والاجتماعية وتمثل حصنا منيعا ضد كسب المال الفاسد وشرعت الأبواب أمام عصابات منظمة اخترقت كل الأسواق ابتداء من قوت التونسيين من خضار ومواد غذائية أساسية إلى سوق التصدير والتوريد الذي يعد شريان الاقتصاد مرورا بسوق السيارات الفارهة وبلغ الأمر إلى حد ظهور سوق الاتجار في السلاح الذي تحتكره مجموعات جهادية مرتبطة بشبكات الإرهاب إقليميا ودوليا.

الديمقراطية الاجتماعية

وتشدد المركزية النقابية على أن "الديمقراطية السياسية" لا تعني للتونسيين الكثير إن لم تترافق مع "تثبيت الديمقراطية الاجتماعية" التي تقوم على التوزيع العادل لعائدات الخيرات بين جميع فئات المجتمع تكريسا لمبدأ المواطنة التي تؤكد على المساواة في الحظوظ والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وخلال السنوات الأربع الماضية تحول إتحاد الشغل إلى قوة اجتماعية وسياسية لها وزنها وثقلها في السياسات المتبعة من طرف الحكومات المتعاقبة.

وتنتهج تونس سياسة المفاوضات الاجتماعية بين الحكومة وإتحاد الشغل لتحسين المقدرة الشرائية للأجراء والموظفين الأمر الذي خفف كثيرا من التوترات الاجتماعية وساعد على تحسين مستوى المعيشة لكن تلك المفاوضات تعثرت كثيرا خلال السنوات الأربع الماضية بسبب رفض الحكومات المتعاقبة أي زيادة في الأجور متعللة بدقة الظرف الاقتصادي الأمر الذي عمق تدهور المقدرة الشرائية نتيجة اشتعال لهيب الأسعار مقابل تجميد شبه كامل للأجور .

وتشير بيانات منظمة الدفاع عن المستهلك، منظمة عير حكومية، أن المقدرة الشرائية للتونسيين تدهورت خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 40 في المائة جراء الارتفاع المشط في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وخاصة المواد الغذائية مثل المعجنات والحليب والسكر وغيرها التي ارتفعت بنسبة 100 بالمائة وبلغت في بع المواد 200 في المائة.

ويتمسك إتحاد الشغل بمطالبة الحكومة بانتهاج"سياسات اقتصادية واجتماعية تضامنية وعادلة تحقق السلم الاجتماعية وتضمن نفس الحظوظ التنموية لكل التونسيين من خلال إرساء نموذج تنموي جديد ينبني على مفهوم الاقتصاد التضامني التي توخته عديد البلدان المشابهة لتونس من حيث ندرة الموارد الطبيعية وأدى إلى نجاحات هامة.

ويشدد الإتحاد على أنه يعارض السياسات التي تراهن على الاقتراض كآلية أساسية لخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد وهو يدفع بالحكومة باتجاه إطلاق المشاريع الصغرى التي تتلاءم وخصوصيات المجتمع التونسي وتشجيع العاطلين على إنشاء مؤسسات استثمارية صغرى في مختلف الجهات بقروض ميسرة وذات فائدة منخفضة من شانها أن تقود إلى إنعاش الاقتصاد وإرساء تقاليد استثمارية جديدة غير مكلفة ولكنها ناجعة.

ولا يتردد الإتحاد العام التونسي للشغل الذي واكب سياسات الحكومات التونسية مند إعلان دولة الاستقلال العام 1956 في التحذير من إغراق البلاد في الديون الخارجية باعتبار أن المؤسسات المالية الإقليمية منها والدولية المانحة عادة ما تملي جملة من الشروط الاقتصادية خاصة مقابل الموافقة على الدين، وهو يخشى أن تضطر حكومة الصيد إلى الامتثال لإملاءات تلك المؤسسات المالية على حساب الأولويات الاجتماعية وفي مقدمتها الحد من الفوارق بين الجهات والفئات وانتشال الفئات الهشة من التهميش الاجتماعي والسياسي.

وتواجه تركيبة حكومة الحبيب الصيد انتقادات من القيادات النقابية لكونها تشكلت على أساس "الترضيات السياسية" ما جعلها تختزل العملية الديمقراطية في "بعدها السياسي" على الرغم من أن أولويات مطالب التونسيين "ذات بعد اجتماعي وتنموي".

ويطالب إتحاد الشغل بـ"انتهاج سياسات تنموية تضمن الديمقراطية الاجتماعية" مشددا على أن "الديمقراطية السياسية لا تعني شيئا للتونسيين في ظل احتداد الفوارق وغياب العدالة الاجتماعية التي بدونها لن تنجح التجربة الديمقراطية الناشئة والهشة".

وكان استطلاع للرأي أجراه "مركز بيو غلوبال" الأميركي أكد إن 57 بالمائة من التونسيين يرون أن مستقبل أبناءهم على المستوى المادي سيكون أسوأ من وضعهم الحالي" باعتبار أن سلم الارتقاء الاجتماعي لم يعد مرتبطا بـ"العمل والكسب المشروع" وبـ"المساواة في الحظوظ" وإنما مرتبط بعوامل أخرى أهمها "الربح السهل" و"انتهاز الفرص" و"الحظ" حيث قال 59 بالمائة من التونسيين أن "الحظ" يعتبر "عنصرا أساسيا للارتقاء الاجتماعي من فئة إلى أخرى وللثراء".

ويقول خبراء اقتصاديون أن 10 بالمائة من أثرياء تونس يستحوذون على 80 بالمائة من ثروات البلاد فيما يتقاسم 90 بالمائة من التونسيين 20 بالمائة الباقية من الثروات وهو ما يؤكد خطورة الفوارق الاجتماعية التي ازدادت حدة خلال السنوات الأربع الماضية في ظل تراجع الدولة عن دورها التعديلي وحماية الفئات الهشة.

تاريخيا، لم يكن مفهوم "الديمقراطية الاجتماعية" بجديد عن الثقافة النقابية لإتحاد الشغل إذ تعود إلى بداية السبعينات من القرن الماضي لما خاض الزعيم التاريخي للمركزية النقابية الحبيب عاشور معركة شرسة ضد سياسات الزعيم الحبيب بورقيبة التي نحت منحى اقتصاديا لبراليا بعد فشل تجربة التعاضد عام 1969 وأطلق العنان لخيارات اقتصادية لم يتردد الخبراء في وصفها بـ"المتوحشة" تحت ضغط "نصائح" البنك الدولي وعدد من شركاء تونس الاقتصاديين وفي مقدمتهم بلدان الإتحاد الأوروبي التي تستحوذ على 70 بالمائة من المبادلات التجارية مع تونس.

ويؤشر تمسك الإتحاد بـ"الديمقراطية الاجتماعية" على وعي عميق لا نقابيا فقط وإنما سياسيا أيضا حيث تشدد المركزية النقابية أن "الحيف الاجتماعي" هو المنفذ الخطير الذي يهدد استقرار البلاد وأن التونسيين قد يصبروا على "الظلم السياسي" لكنهم لا يتسامحون أبدا مع "القهر الاجتماعي".

ويقول النقابيون إن المواجهات بين الإتحاد والحكومات المتعاقبة عززت دور المركزية النقابية كقوة لا اجتماعية فقط وإنما أيضا سياسية لها ثقلها في الحياة العامة حتى أنها باتت تستشار من قبل السلطات في القضايا والملفات الكبرى المطروحة على البلاد.

ولعب الإتحاد مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 2010 دورا حاسما في تعديل المشهد السياسي وبدا القوة الاجتماعية السياسية الوحيدة القادرة على حسم الأمور هو ما يفسر نجاحه في إجبار حركة النهضة على التنحي من الحكم لفائدة حكومة كفاءات بعد أن دخلت البلاد في أزمة حادة.

وتدرك حكومة الصيد أن مطلب "الديمقراطية الاجتماعية" الذي يدافع عنه الإتحاد هو مطلب غالبية التونسيين لأنه "أولوية" يتوقف عليه نجاح الحكومة بل يتوقف عليه نجاح التجربة الديمقراطية برمتها.

لكن جهود الإتحاد العام التونسي للشغل لتحقيق الديمقراطية الاجتماعية وتحسين مستوى معيشة العمال والأجراء تصطدم عمليا بوضع اقتصادي يصفه الخبراء بـ"شبه كارثي" نتيجة تدني مستوى الإنتاج وتراجع نسبة النمو والعجز المتراكم الذي تعاني منه العشرات من المؤسسات.

ويشدد الخبير الاقتصادي والمالي عز الدين سعيدان على أن الاقتصاد التونسي في وضعية صعبة وحرجة بسبب سياسة الاقتراض التي بلغت منذ 2012 والى غاية 2014 حوالي 25 مليون دينار مؤكدا أنه بداية من سنة 2016 تاريخ البدء في تسديد الديون ستتراكم المصاعب على الدولة التونسية فيما أكد الخبير المختص في المخاطر المالية مراد الحطاب أن حجم الدين العام لتونس يقدر نحو 5130 مليون دينار سنة 2015 من فائدة وأصل.

ويرى الخبراء ضرورة الارتقاء بنسبة النمو إلى حدود 7 بالمائة كحل للخروج من الأزمة غير أن تحقيق هده النسبة تبدو صعبة المنال بالنسبة لحكومة الحبيب الصيد في وقت لا تتجاوز فيه تلك النسبة 2 بالمائة حاليا.

وتبدو تونس في ظل "كارثية المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية " مرشحة إلى مواجهة صعوبات كبيرة خلال السنوات الخمس القادمة قد تقود إلى تدني ثقة غالبية التونسيين في التجربة الديمقراطية إن لم ترافقها خارطة طريق تنموية واضحة وعملية.