قضاة تونس يدعون إلى إضراب خوفا من ضرب استقلالية سلطتهم

مخاوف من فقدان الحريات

دعت جمعية القضاة التونسيين كل القضاة الإداريين والعدليين والماليين إلى تنفيذ إضراب عام حضوري بكافة المحاكم والمؤسسات القضائية يومي 28 و29 أبريل/نيسان 2015 وحذرت الجمعية من سعي السلطة التنفيذية إلى "وضع يدها على القضاء" و"ضرب استقلالية السلطة القضائية" مشددة على أن استهداف استقلالية القضاء "سيقود حتما إلى الانتكاس الديمقراطي" و"إفراغ الدستور من مضامينه انطلاقا من باب الحريات.

وقالت الجمعية في بيان الجمعة أن "الإضراب يأتي احتجاج على ما آلت إليه مناقشة مشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء من تهديد حقيقي لكل فرص تركيز مجلس ممثل لسلطة قضائية مستقلة تحمي الحقوق وتصون الحريات وتجنب البلاد مخاطر انتكاس الانتقال الديمقراطي".

واتهمت رئيسة جمعية القضاة روضة القرافي السلطة التنفيذية بالسعي إلى"تكريس استقلالية صورية وشكلية للقضاء" مشددة على أن "الدستور نص في فصله 102 على أن القضاء سلطة مستقلة" يمارس صلاحياته في إطار الاستقلالية التامة والحياة ضمانا للعدالة وحماية للحريات.

وجاءت تصريحات القرافي على خلفية جدل حاد بين القضاة والحكومة حول مشروع قانون يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء يعرض حاليا على لجنة التشريع العام بالبرلمان.

واعتبرت القرافي أن هناك "وجود توجه عام نحو إفراغ الدستور من مضامينه، انطلاقا من باب الحريات، من خلال إصدار قانون زجر الاعتداء على قوات الأمن الداخلي، والقوات المسلحة، والذي اعتبرته تهديدا خطيرا لكل الحريات، على غرار حرية التعبير، والتظاهر، وصولا إلى باب السلطة القضائية، من خلال الالتفاف على صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء وتهميشه عبر التقليص في تركيبته".

وشددت رئيسة جمعية القضاة على أنه "إذا استهدفنا الحريات واستقلال القضاء المؤتمن على تلك الحريات، فإنه سيكون حتما الانتكاس الديمقراطي" ونبهت المجتمع المدني من هكذا انتكاس بعد "ظهور مؤشرات قوية".

وقالت "لقد لاحظنا من خلال متابعة مناقشة مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء، صلب لجنة التشريع العام بالبرلمان، التفاف على الدستور، وخرق مضامينه، والانقلاب عليها، ومحاولة لوضع اليد القضاء، تحت عنوان يدعي أنه ديمقراطي، ويسعى إلى تكريس استقلالية صورية وشكلية للقضاء"، مضيفة "الدستور نص في فصله 102، على أن القضاء سلطة مستقلة، إلا أن لجنة التشريع العام، قررت عند مناقشتها للفصل الأول من القانون إقصاء تمثيل المجلس للسلطة القضائية في دلالة واضحة على نسف كل مقتضيات السلطة المستقلة التي جاء بها الدستور".

وتدافع جمعية القضاة عن تركيبة متوازنة للمجلس الأعلى للقضاء تضم قضاة ومحامين ولكن أيضا أساتذة في القانون وشخصيات من المجتمع المدني من اجل "مجلس يكون في خدمة المجتمع لا مجلسا تتضارب فيه المصالح فتضعف نزاهة واستقلال القضاء على حساب حقوق وحريات المتقاضين". وتعتبر الجمعية أنه "تم تقليص صلاحيات مجلس القضاء في المشروع المقدم من وزارة العدل لفائدة السلطة التنفيذية".

وطالب رئيس مرصد استقلال القضاء أحمد الرحموني الحكومة بـ"ضمانات تقر باستقلال القضاء ونزاهته وفق ما نص عليه الدستور وذلك بإعطاء المجلس الأعلى للقضاء الاختصاصات الأساسية في الإشراف على القضاء الموحد في التكوين والتفقد وتقييم القضاة بمنأى عن تدخل السلطة التنفيذية".

وخلال لقاء مع رئيس الحكومة الحبيب الصيد في فبراير/شباط، أبلغت جمعية القضاة الصيد تمسكها بـ"تركيز مجلس أعلى للقضاء يكون قانونه الأساسي مكرسا للرؤية الدستورية الجديدة باعتباره هيكلا ممثلا للسلطة القضائية يحقق مبدأ الفصل بين السلط والتوازن بينها، وبإسناده صلاحيات شاملة في إدارة الشأن القضائي وبأن تكون تركيبة المجلس من أغلبية من قضاة منتخبين مع الانفتاح على غير القضاة بما يحقق التعددية المتوازنة دون أن يعرض المجلس إلى إشكاليات تضارب المصالح، نظرا لخطورتها على استقلالية القضاء ونزاهته وعلى حقوق المتقاضين".

ولم تتردد القرافي في التأكيد على أن "لجنة التشريع العام خالفت مقتضيات الدستور، حيث نص الفصل 114 من الدستور، على ان المجلس الأعلى للقضاء، هو الضامن لحسن سير القضاء واحترام استقلاله، أي أن صلاحياته كمجلس ممثل للسلطة القضائية، لا يمكن أن تنحصر في البت في النقل والترقيات، فقط، وإنما يجب أن تشمل كذلك الإشراف على المؤسسات القضائية، وكل ما تعلق بالشأن القضائي، من تفقدية، وإدارة المحاكم، والمعهد الاعلى للقضاء، ومركز الدراسات والبحوث".

واتهمت البرلمان بـ"خرق الدستور، ونزع ما في مقتضيات مشروع القانون المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء، من صلاحية الإشراف على التفقد القضائي، والمؤسسات القضائية" لافتته إلى أن مثل هدا التوجه يهدف إلى "ضمان إشراف وزارة العدل على التفقد القضائي الأمر الدي يعني عمليا "وجود نزعة لتوظيف القضاء سياسيا" وهو ما يتنافى مع مبدأ الفصل بين السلطات ويضرب مفهوم العدالة في العمق.

وشددت القرافي على ان تركيبة المجلس الأعلى للقضاء حسب لجنة التشريع العام لا تشمل جميع مكونات الأسرة القضائية، وتتجاهل عددا من مكوناته، وقالت "نحن ندق ناقوس الخطر، ونحن ننبه من فداحة ما يحصل اليوم من سعي إلى ضرب استقلالية القضاء وحياده.

ووصف نائب رئيسة جمعية القضاة انس الحمايدي قانون المجلس الأعلى للقضاء بـ"وصمة عار" لما فيه من "خروقات وانتهاكات على الدستور، وانقلابا على السلطة القضائية، ومحاولة لتنكيس السلطة القضائية"، مؤكدا "اليوم نحن نطلق صفارة الإنذار، نحن مقبلون على أزمة وطنية، والبلاد ليست في حاجة إلى أزمات أخرى، نحن تحملنا مسؤوليتنا سابقا، دافعنا عن استقلالية السلطة القضائية وحيادها، واليوم، وفي هذا الوقت العصيب لن نسمح بأي التفاف على المضامين الدستورية، وسوف نتكاتف من اجل خوض هذه المعركة".

يشار إلى أن القضاة شنوا إضراب عام بكامل المحاكم في 12 مارس/آذار 2015 "دفاعا عن استقلالية السلطة القضائية" و"نزاهتها"، وطالبوا بـ"إصلاح الجهاز القضائي بما يستجيب للمعايير الدولية"، ودعوا إلى عقد مجلس وطني طارئ احتجاجا على سعي الحكومة إلى "الالتفاف على استقلالية القضاء".

وشكل الإضراب وهو الأول من نوعه مند تشكيل حكومة الحبيب الصيد في 2 فبراير/شباط 2015 والتي كانت تعهدت باحترام "مبدأ استقلالية السلطتين التشريعية والقضائية" و"عدم التدخل في سير عملهما"، ضربة موجعة للحكومة خاصة وأن جمعية القضاة اتهمت وزير العدل محمد صالح بن عيسى بـ"السعي إلى تمرير مشروع قانون مخالف للدستور يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء"، مشددة على أن "هدا المشروع يعد التفافا من السلطة التنفيذية على تركيز سلطة قضائية مستقلة ونزيهة تضمن تحقيق العدالة في المجتمع".