المذهبية... ذلك الغي العظيم

نتاج خلط الدين في السياسة

يأتي تسييس الهوية المذهبية بتكريس النزاع الديني ليعكس خطر تقسيم المنطقة برمتها بحروب أهلية.. نراها تسحق العراق وسورية وليبيا وتسعى لتتمدد لبقية البلدان العربية.. فالإرهاب يشرعن حقّانيته التدميرية؛ من ادعاء حقانية المذهب الدينية؛ فولاية الفقيه يقابلها حاكمية الخلافة، وليذهب الإنسان والأوطان للجحيم!

ليس أضر على المسلمين في دينهم ودنياهم من التطرف العقدي المذهبي، وتحول الهوية الدينية إلى انتماء مذهبي متطرف، فلقد أضحى التعلق بالمقولات الفقهية المذهبية العنصرية بديلاً عن الدين، هذا الوضع الطائفي الصارخ أحال الدين إلى مجرد هوية هلامية تدون في السجلات التوثيقية، بينما التعامل على أرض الواقع هو مذهبية خالصة وصراع بين المعتقدات، وادعاء الحقّانية المطلقة لكل مذهب والعمل على إلغاء ماسواه من المذاهب.

ويأتي تسييس الهوية المذهبية بتكريس النزاع الديني ليعكس خطر تقسيم المنطقة برمتها بحروب أهلية.. نراها تسحق العراق وسورية وليبيا وتسعى لتتمدد لبقية البلدان العربية.. فالإرهاب يشرعن حقّانيته التدميرية؛ من ادعاء حقانية المذهب الدينية؛ فولاية الفقيه يقابلها حاكمية الخلافة، وليذهب الإنسان والأوطان للجحيم!

يتطرق عبدالكريم سروش في كتابه "الصراطات المستقيمة" لظاهرة الحقّانية المطلقة ويثبت بوعي علمي رصين انعدام واستحالة هذه الحقانية.."إن أكثر أهل السنة والشيعة يعيشون حالة تلوث العقيدة، وإن إسلامهم مشوب بالباطل، ومع أنهم يعتقدون أن ديني اليهودية والمسيحية قد أصابهما التحريف، إلا أنهم لم يدركوا أن أفراد البشر هم الذين يمدون أيديهم لتحريف دين الله، ويتصورون أن هذا الكلام منحرف عن جادة الصواب.

ثم يذهب لسبب امتناع قبول التعددية الفكرية والدينية "إن مايقف عقبة في هذا الطريق هو مايذكر في الكتب الدينية من عناوين الكافر والمؤمن، وهي مجرد عناوين فقهية دنيوية، حيث توجد نظائرها في جميع الشرائع والفرق ولكنها تحرمنا رؤية باطن الأمور وتسدل على بصيرتنا ستار الغفلة عن رؤية الحقيقة؛ أن لا جزم مطلق بحقانية مطلقة، بل هي هداية مشمولة معذورة أو مأجورة، والحقائق متنوعة ليس منها ماهو حق مطلق"، مستدلاً بحكمة سديمية سديدة "إن الحقيقة غارقة في الحقيقة".

هذه العناوين (كافر- مؤمن) تنبجس مطردة لتدمر أصحاب الملة الواحدة، فمن تتوحد رؤيته يضيق نطاق حقانيته، وتتحول شهوة الحروب الاعتدائية لديه لحروب مقدسة؛ تنتقل من صراع الأديان إلى صراع المذاهب داخل الدين الواحد، بل وداخل المذهب نفسه، "ذلك أن السعي للقضاء على الكثرة تفضي إلى كثرة أخرى"، والمذهبية حركة تاريخية مسيسة، مرت بها الأديان وتجاوزتها، بينما العرب لازالوا لها مدمنين.

إن عالم الطبيعة والمادة يفتح باب التنوع والكثرة الذاتية على مصراعيه" إن عالم الطبيعة عالم الأضداد والأعداد" والمنهج في الاستدلال الكلامي على التعددية يستمد مقوماته من الأسماء الكثيرة لله تعالى، تراكم الحقائق، وتعدد أبعادها؛ الهداية العامة للباري تعالى، ومن سعة مفهوم الهداية والسعادة.

يوضح سروش أن الكثير من الأفراد الذين يتحركون في خط الضلالة في الظاهر هم مهتدون في الباطن، يصدق ذلك على قولنا كافر، والأدق من ذلك في سورة يوسف "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" فأكثر الموحدين مشركون ولكنهم لا يعلمون، وإيمان كل إنسان بالله ملوث بدرجة معينة من الشرك، هذا ما تقوله نظرية الصراطات المستقيمة فلا يوجد تشيع ولا تسنن خالص في الحقانية، بل إن علماء كل مذهب مختلفون في الرأي، فأصول ومعتقدات المذاهب متفاوتة جداً في ذات المذهب، لكن كل مذهب وضع معتقداته ومنظومته الفكرية وادعى أنها بمنزلة التسنن أو التشيع الخالص"الحق"،، وهنا تظهر حاجتنا للفهم التاريخي لهذه الظاهرة "فالتشيع هو تاريخ التشيع والتسنن هو تاريخ التسنن، فليس التاريخ تاريخ الحرب والصلح فقط بل تاريخ عقائد هؤلاء المسلمين".

ويثبت فكرته بأن العالم هو عالم عدم الخلوص في كل شيء، سواء في عالم الطبيعة أو عالم الشريعة، الفرد أو المجتمع. والسر في عدم الخلوص والنقاء هو بشرية الدين، فعندما ينزل مطر الدين الخالص من سماء الوحي على أرض الفهم البشري فسيتلوث بإفرازات الذهن وعندما تتحرك العقول لغرض فهم الدين الخالص تقوم بخلطه بما لديها من أفكار وقيود وتعمل على تلويثه، إلى يوم القيامة. وهناك سيحكم الله بين عباده فيما يخص اختلافاتهم (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون).

إذاً: درك الحقيقة أن تعلم أن الكل يحرف الكلم عن مواضعه، ويعجزون عن درك معانيه من جهة أخرى.

تمدد هذا التلوث الذي ذكره سروش ينعكس صراحة على المسألة الأخلاقية؛ فنراهم يتقاتلون على شتائم الأموات ويحللون شتم الحي، فإن كان شتم الصحابة حراماً- وهو كذلك - فلأنه يشمله تحذير الله من سوء الخلق وشتم الإنسان بإطلاق.. لكن تحضر قداسة رجال المذاهب لتحل محل الفعل في ردات الفعل فتحصر معيار السلوك بأشخاص لا بالقيمة نفسها "الخلق"وهنا ينعدم مفهوم الفضائل الأخلاقية، فضلاً عن قيمتها ويصبح سيئها مانعاً محدداً لأشخاص محددين، وواجباً منطلقاً مفروضاً في حق آخرين، بل بعضهم أصّل لسوء الخلق والكراهية لتصبح مروقاً يقدح في الدين نفسه، ويؤسس للجهل العقيم.. من هنا سار موكب الكراهية متعجرفاً متنطعاً كما أراد له أعداء الإنسان.. ليشعل حربه الهوجاء..

"فإذا اعتبرنا السيئات الفردية حسنات جمعية كما يقول ماندويل فإن قصة الأخلاق والبشرية ستأخذ مجرى آخر.

وهذه العبارة يشمل نطاقها كل فعل سيئ بمقياس القيم الأخلاقية؛ تبدأ من الشتائم للكراهية والبغضاء حتى تصل للحروب المقدسة..

إن جوهر الهداية الإلهية أعز وأقوم من التعاليم الكلامية والأحكام الفقهية وأكبر من انحصاره في امتلاك بعض المعتقدات الذهنية الخاصة سواء الشيعة أو السنة أو البروتستانت أو الكاثوليك، وبأن سائر الناس غارقون في الضلالة والانحراف عن الحق، فالعقل والفطرة الإلهية تمثل الرسول الباطني لجميع أفراد البشر في عملية هداية الخلق لاسيما إذا اعتقدنا بأفضلية الفضائل الأخلاقية على العقائد الفكرية والأعمال الدينية".. هنا تنفتح أبواب أنسنة الهداية ويصبح المرء مسبار هداية؛ هداية الأخلاق لا العقائد المتلظية على نار العداوة والكراهية.

يوصينا "علي بن أبي طالب" ألا نتماهى ولا نُستغل في تمدد الكراهية الطائفية "كن في الفتنة كالابن اللبون لا ظهراً فيركب ولا ضرعاً فيحلب.

الباحث والكاتب السعودي في هذه الجريدة "حسن المصطفى" يصور تفشي الموقف الطائفي في حلقة مميزة لبرنامج حديث الخليج "الموقف الطائفي لا يتعلق بالمثقف الديني لأنه غدا موقفاً وسلوكاً اجتماعياً، لنقل إنه متواجد في اللامفكر فيه، متواجد في السياق الاجتماعي الذي تريد أن تحافظ عليه، في سياق المصالح الاقتصادية التي تريد أن تبنيها أو تكون في سياقها، بالتالي لا تستطيع أن تهرب منه، لا يهرب منه إلا من كان ذا حظ عظيم" .

ويحدد بدقة سبب شمولية هذا الموقف الاعتقادي"الذي حصل هو تغلغل الدين في السياسة واستخدام السياسي للدين، هذه المزاوجة غير النافعة بين الدين والسياسة والاستخدام النفعي للدين من قبل السياسي هو من أعطى للصوت الطائفي قوته.

ويتعذر ضبط الصوت الطائفي إلا "إذا بني المجتمع على أسس مدنية حديثة لا وفق أسس المجتمع الريعي أو البدائي، الذي لازالت للأسف كثير من مجتمعاتنا منغمسة فيه.. فالدولة المدنية الضامنة لا تضع الدين أو عدمه، المذهب أو نوعه هو المعيار في المواطنة،بل مدى التزامك بقوانين الدولة المدنية، التي معيار التفضيل فيها الكفاءة؛ لا عرق لا جنس لا دين لا مذهب. ثم يختصر واقع الظاهرة الطائفية في الخليج ليلخصه "لا يوجد قانون ناظم، وهناك خلط ديني بالسياسي" .

ويقرر بالمقابل؛ بأن التشبث بالتاريخ ضد المستقبل، موقف يجعلك مرتخياً في بطون الكتب لا فيما يحدث أمامك أو في المستقبل، فالسلفية في كل المذاهب تعني رفض التجديد ليبقى الرعاع والقطيع والأتباع".

إن الطائفية نتاج بذار خلط السياسة بالدين، واستخدام أحدهما لمصلحة الآخر، فيتم التضييق على الناس في حرياتهم الشخصية والاعتقادية والتعبيرية، وتجتاح كراهية المصالح النفعية المشهد، فتشتعل الحروب، هذه لم تعد متواليات مضمرة أو غامضة بل هي أوضح من الشمس الشارقة.

حصة بنت محمد آل الشيخ

كاتبة سعودية