إحداث مجلس حكماء في تونس لإصلاح الأجهزة الأمنية


عودة قوية لـ'رجال الدولة'

في ما يشبه "الانتفاضة" والاحتجاج على تردي الأوضاع الأمنية قرر اتحاد نقابات الأجهزة الأمنية التونسية إحداث "مجلس حكماء" برئاسة علي السرياطي مدير الأمن الرئاسي في نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي و"كاتم أسراره"، من أجل "إصلاح المنظومة الأمنية" التي "تعرضت خلال السنوات الأربع الماضية إلى "عملية تدمير ممنهجة" من قبل الحكومات المتعاقبة في إطار مخطط أشمل يتعلق بـ"نخر مؤسسات الدولة السيادية".

وقال الاتحاد إن مجلس الحكماء سيضطلع بـ"دور استشاري هام في تقديم النصح والمقترحات لإصلاح المنظومة الأمنية والمساهمة في استعادتها لعنفوانها وهيبتها".

وأعلن الاتحاد عن قراره بإحداث "مجلس لحكماء المؤسسة الأمنية" يجمع مختلف قيادات المؤسسة الأمنية السابقة، ويضطلع بدور استشاري هام في تقديم النصح والمقترحات لإصلاح المنظومة الأمنية والمساهمة في استعادتها لعنفوانها وهيبتها" خاصة في مثل هذه المرحلة الدقيقة التي تتزامن مع حالة من الانفلات الأمني، تستوجب "تجنيد" كلّ القيادات الأمنية لإعادة الأمن والاستقرار لتونس بعد أربع سنوات من الفوضى.

وعهدت رئاسة مجلس الحكماء إلى علي السرياطي ما بدا مؤشرا قويا على عودته إلى واجهة الساحة الأمنية.

ويعد علي السرياطي من أقرب المقربين للرئيس السابق بن علي وأحد رجاله الأقوياء وكاتم أسراره، إذ شغل مند العام 2002 منصب مستشار أول لدى بن علي ومدير عام لأمن الرئيس والشخصيات الرسمية، ولم يغادر المنصب إلا إثر انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011.

وسيكون المجلس مرجعا للنظر في عديد من القضايا التي تخص الملفات الأمنية كـ"مكافحة الإرهاب وكذلك المعضلات التي يشهدها المجال الأمني".

ولم تصدر عن السلطات التونسية أية توضيحات بشأن عودة علي السرياطي إلى واجهة الساحة الأمنية، وما إذا كانت هذه العودة بـ"إيعاز من جهة رسمية" أم هي مبادرة شخصية اتخذها السرياطي.

غير أن تركيبة مجلس الحكماء التي تضم قيادات أمنية تؤشر على ان "العودة" تمت بالتنسيق مع قيادات نقابية أمنية لم تتردد في نقدها للانفلات الأمني الذي تشهده البلاد منذ أربع سنوات.

ويقول خبراء أمنيون إن تونس في حاجة إلى رجال أمن أقوياء يمتلكون الخبرة مثل علي السرياطي لوضع حد للانفلات الأمني ومكافحة الجماعات الجهادية ومعالجة مختلف الملفات الأمنية الساخنة، وفي مقدمتها انتشار السلاح في البلاد.

وعلي السرياطي المتشبع بـ"العقيدة العسكرية" يعتبر أحد أبرز رجال بن علي الذين يمقتون جماعات الإسلام السياسي مقتا، ويرون فيهم "الخطر الوحيد" الذي يهدد مكاسب التونسيين وفي مقدمتها مدنية الدولية وتسامح المجتمع.

ويعرف عن السرياطي أن دوره لم يكن مختزلا في "مدير الأمن الرئاسي" في نظام بن علي وإنما كان "الرجل القوي" الذي بسط نفوذه على مختلف الأجهزة الأمنية، ويقر خصومه قبل أصدقائه بأنه يتوفر على "كفاءة عالية" و"حس أمني رهيف" وطاقة عمل "أتعبت كثيرا مساعديه".

وخلال التسعينات من القرن العشرين لعب السرياطي دورا كبيرا في تفكيك التنظيم السري لحركة النهضة الإسلامية وحزب التحرير الذي يسعى إلى إقامة "دولة الخلافة" في تونس.

وقال مؤسسوا المجلس إن "مجلس حكماء المؤسسة الأمنية سيتم تعزيزه بهيئة "موسعة" تضم قيادات الحرس الوطني وكوادر سامية تنشط في مختلف الأجهزة الأمنية.

ولقي إحداث المجلس ترحيبا من مختلف الأمنيين قيادات وكوادر وأعوانا باعتباره يضم قيادات من أبناء المؤسسة ممن ظلموا وسجنوا بعد انتفاضة يناير 2011 في إطار "مخطط تدمير الجهاز الأمني" الذي نفذته أطراف "معروفة" وباتت "محاسبتها" قريبة جدا على حد تعبير عدد من مؤسسي المجلس.

وخلال حفل استقبال تم تنظيمه بالمناسبة وحضرته قيادات أمنية سابقة وأخرى مباشرة لمهامها شدد عدد من القيادات على أنهم كانوا خلال السنوات الاربع الماضية عرضة للظلم والهرسلة والتدمير النفسي الممنهج والشيطنة التي كانت تخفي وراءها "مخططا تدميريا" استهدف المؤسسة الأمنية، لكونها "العمود الفقري" للدولة حتى يسهل لاحقا تدمير هذه الأخيرة. وأكدوا أنهم خدموا الوطن والدولة ولم يدخروا لحظة من حياتهم المهنية في سبيل حماية البلاد والعباد من كل المخاطر التي تهددتها على مر عقود من الزمان، معربين عن قناعتهم بأن "الظرف" قد يظلم الناس، ولكن "التاريخ" سينصف الجميع حتما.

وكان وزير الداخلية السابق في حكومة الترويكا والقيادي في حركة النهضة علي لعريض قد أحال العشرات من القيادات الأمنية على "التقاعد الوجوبي" بحجة "تورطهم" في خدمة نظام الرئيس بن علي الأمر الذي قاد إلى إفراغ الأجهزة الأمنية من الكفاءات التي تمتلك الخبرة في إدارة الملف الأمني الذي يعد من أخطر الملفات.

وخلال الثلاث سنوات الماضية أرجع الخبراء الأمنيون "حالة الانفلات الأمني" وما رافقها من تزايد خطر الجماعات الجهادية وعصابات الجريمة المنظمة وكثافة شبكات التهريب إلى "ما تعرضت له المؤسسة الأمنية من تجويف ممنهج بعد إحالة قيادات أمنية كفأة وذات خبرة عالية على التقاعد الإجباري.

وقال مؤسسو مجلس الحكماء إنهم عازمون على "تعزيز المجلس بمجموعة من قيادات وإطارات أمنية سابقة تشمل جميع الأسلاك الأمنية ومن بينها الجهاز الوطني والاستعلامات ومكافحة الإرهاب".

وأعلنوا عن قرارهم بإحداث "هيئة موسعة قادرة على استيعاب العدد الهام من القيادات الأمنية السابقة التي ظلمتها "الظروف" وأنصفها التاريخ وتتم الاستعانة بتلك الخبرات في جميع الاستشارات ذات الصبغة الأمنية البحتة ليصبح معها "مجلس الحكماء" أبرز "قوة مدافعة" عن الكوادر والقيادات الحالية الى جانب دوره الهام في مؤازرتها في مثل هذا الظرف العصيب الذي تعيشه وتمر به البلاد".

ولا تتردد القيادات الأمنية التي تم إعفاؤها من مهامها في التأكيد على أنها "تعرضت لعملية إبادة جماعية" مدفوعة بـ"حقد دفين" على الأجهزة الأمنية من قبل حكومة الترويكا في إطار خطة أشمل وأخطر تسعى إلى تدمير مؤسسات الدولة التي هي دولة كل التونسيين.

وكان السرياطي اعتقل مباشرة إثر مغادرة بن علي البلاد في 14 يناير 2011 في ثكنة العوينة شمال العاصمة تونس من قبل فرقة طلائع الحرس الوطني، بعد أن اتهمته السلطات بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي".

ووجه القضاء التونسي إلى السرياطي تهمة التواطؤ في تزوير جوازات سفر لمساعدة بن علي وعائلته على الفرار، وتمت تبرئته من هذه القضية في أغسطس/اب 2011.

كما تمت تبرئته من تهمة قمع تظاهرات في منطقة تالة والقصرين (وسط غرب) خلال الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق (ديسمبر/كانون الأول 2010 - 14 يناير 2011) ثم حكم عليه في يوليو/تموز 2012 بالسجن 20 عاما من قبل المحكمة العسكرية بتونس في قضية "شهداء وجرحى الثورة" في محافظات تونس الكبرى.

وفي أبريل/نيسان 2014 تم تخفيف الحكم إلى ثلاث سنوات بعد مراجعة التهمة. وأطلق سراح علي السرياطي في 17 مايو/ايار 2014، بعد أن قضى أكثر من 3 سنوات سجنا في قضية شهداء وجرحى انتفاضة يناير 2011.

ويقول مراقبون للشأن التونسي إن "إحداث مجلس الحكماء" برئاسة علي السرياطي يعد مؤشرا قويا على عودة قيادات أمنية ذات كفاءة عالية تم استبعادها لأهداف سياسية من قبل حكومة الترويكا، ملاحظين أن "التجويف" الذي تعرضت إليه الأجهزة الأمنية أضعف كثيرا قدرات تونس على مكافحة الجماعات الجهادية وشبكات التهريب وعصابات الجريمة المنظمة التي استفحلت في البلاد.

ومن أهم الملفات التي يمكن لمجلس الحكماء معالجتها هو "ملف الاستخبارات" الذي تعرض خلال السنوات الأربع الماضية إلى "تمزيق قنواته بالكامل"، الأمر الذي قاد إلى "إضعاف أداء" الأجهزة الأمنية من جهة، وفسح المجال واسعا أمام نشاط الجماعات الجهادية وعصابات الجريمة المنظمة وشبكات التهريب.

وتعد عودة علي السرياطي إلى واجهة الساحة الأمنية، كما يذهب إلى ذلك الكثير من المحللين، تمهيدا لعودة "رجال الدولة" في نظام الرئيس بن علي ليساعدوا الحكومة على إدارة الشأن العام، وإنقاذ البلاد من الأزمة التي تتخبط فيها منذ أربع سنوات، في وقت لم تتردد فيه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وغالبية التونسيين في التعبير عن عدم رضاها على "أداء" الحكومة.