'شجرة' العماري .. أولى إشارات التعافي والتخلص من الواقع الليبي المأزوم

أهداني غصنا، وقال: تَعَلّمْ

• الشاعر والقصيدة:

مفتاح أحمد عبدالسلام العمّاري شاعر ليبي مواليد بنغازي في 16 يوليو/تموز 1956. بدأ كتابة الشعر في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وتكشف دوواينه عن إحساس عميق بالرسالة الشعرية، وبلغة الشعر، لذا فقد استحق، وعن جدارة مكانته المتميزة البهيّة في تاريخ الشعر المعاصر، كأب روحي وفعلي للقصيدة اللليبية الحديثة.

زوّد المكتبة الليبية والعربية بما يقرب من عشرين كتابا، تهتم معظمها بالشعر الى جانب النصوص المسرحية والمقالات النقدية. حضر العديد من الملتقيات المهتمة بالشعر والأدب والفن في ليبيا وخارجها، وشارك في عضوية العديد من لجان تقييم مسابقات الشعر والكتابة الأدبية للمواهب في ليبيا.

قصيدة "شجرة" هي أخر قصيدة في مجموعة العماري الأخيرة "ثكنات" والتي ضمت ستا وتلاثين قصيدة أخرى وصدرت هذا العام 201 عن موقع بلد الطيوب الإلكتروني الذي يوثق للحركة الثقافية في ليبيا ويهتم بها.

ويقول العماري في مقدمة مجموعتة التي وردت فيها قصيدة "شجرة"، أنها عبارة عن "شذرات ونصوص قديمة كتبتُ في أوقات متباعدة، وأمكنة متعددة أرسلها لصديقه الشاعر رامز النويصري، الذي قرر أن يفرد لها فضاء مستقلا بهيئة كتاب الكتروني، ضمن منشورات موقع بلد الطيوب".

القصيدة "شجرة" تزخر بمجموعة من التقنيات الفنية العالية، التي أسهمت في تشكيل صورة ما يود الشاعر نقلها للمتلقي، عبر صياغة شعرية متميزة نجحت بحرفنة ودقة وذكاء، لا يغفل القاري العادي على اكتشافها، خاصة وأن القصيدة ولدت في لحظة حرجة متأزِّمة تمر بها ليبيا، فانحاز فارسها للقاري (والقارئُ يتعب) ليقلل من تعبه كما ختم قصيدته التي اختارت أن تؤرخ بجمال وحس شعري مرهف، للحظة تاريخية حرجة ومتأزِّمة ولدت فيها.

• نص القصيدة:

شجرة

كان شجرة رمّان.

أهداني غصنا، وقال: تَعَلّمْ

فسهرتُ حدّ النسغ حتى تَرَبّى،

وصار في طورِ الشفقِ نهدا لأجملِ أُنثى

**

حين كان القربُ عبادة

لم أعرفه وهو قريبي

وهبني اسما

وقال: اسعى

فمشيت

**

حين أعطاني درعا

بُترت ساقي في الحرب،

فأضحى عكازي من شجرِ حديقتِه

وظِلّي ينتسبُ إليه

ومقامي لا يهدأ

**

كلما أدركتُ عبادته

صار أنأى

**

كما لو أن حواء دست جمرا في عشّه

ظل طيلة دهر يهذي،

وأنا أُصغي لصوتِ يديه

حتى أمست صورتُه رمادا

فلم أبصر من أثرِ الكلمات

وهي بين ماء وطين

غير مصائر وجهي

وقد صارت لغتي نصفين

أو أكثر

وأنا كالعادة وحدي أمشي،

روحان في جسد

الريحُ تشيرُ

والقارئُ يتعب.

• قراءة القصيدة:

بعد العنوان يفتتح مفتاح سطر قصيدته الأول بلفظة "كان" التي لا تدل دائماً على الماضي المنقطع، بل على الاستمرارية في كل شيء كما سيفهم ضمنا من يقرأ القصيدة كلها. ثم أضاف الشاعر لفظة "شجرة" إلى اسم مفرد بدلا من إضافتها إلى اسم الجنس الجمعي "شجر" وكأنه ينوي تنبيه القاري ويدعوه بذكاء ليبحث عن معني خفي غير المعني المعلن.

"كان شجرة رمّان" وبقصد جميل وموفق أيضا يختار الشاعر شجرة الرمان الخريفية لتضيف دلالة أولية في نص شعري "مجازي" ليضمن به اتساع ذهنية المتلقي ليستقبل نصه بفاكهة الرمان، وذلك يما تحمله شجرتها من دلالة ومرجعيه محببة في الموروث الجمعي الليبي – إن صح التعبير - بوصفها شجراً مباركاً من أشجار الجنة.

ولاشك أن القارئ تهيأ لاستقبال قصيدة ملونة مفترضا أنها ستتناول موضوعاً تفاؤليا طبيعياً أو رومانسياً، كما توحي بهرجة العنوان وألوانه الاحتفالية المتخيَّلة في شجرة، بيد أن العماري يفاجئ المتلقي بوضعه لمزيج غريب من العناصر المتنافرة المرتبطة فيما بينها بعلاقات متأزمة قائمة على التناقضات والمفارقات التي تتجمع خيوطها أكثر من مرة في سطور القصيدة الاولى، فتتغير تدريجيا الطاقة التخديرية المسالمة للعنوان "كان شجرة رمّان" وأغصانه "أهداني غصنا" وثماره "وصار في طورِ الشفقِ نهدا لأجملِ أُنثى" وأوصال الشجرة "حدّ النسغ" الذي يسري في أوصال النبات وأمشاجه فـيمـنحه الـروح والحياة، ثم في حديقته كلها "فأضحى عكازي من شجرِ حديقتِه" ليكتشف القارئ أن النص دخل عن طيب خاطر في صراعات جدلية، تنمو وتتطور حتى كادت أن تتحول شجرة الرمان قريبة من اللعنة بإعتبار أن "حواء دست جمرا في عشّه" لغوايته.

أو تتحول ذات الشجرة المفتتح لقصيدته متيمنا بها الى محنة جديدة أو الى محن ومصائب حلت، حين تصبح حديقة شجر الرمان كلها متكئا ومستندا " فأضحى عكازي" وظلا "وظِلّي ينتسبُ إليه" بعد ان فقد ساقيه "بُترت ساقي في الحرب". وفقد بصره "فلم أبصر" وصورته "أمست صورتُه رمادا" ورفاقه "وحدي أمشي" ولغته "صارت لغتي نصفين" وعقله "ظل طيلة دهر يهذي"، ووطنه أيضا "صار أنأى".

وليكتشف القاري مدى الخراب الذي حل بالوطن نتيجة أزمة معينة، وكيف أن الشاعر أول الضحايا، رغم جهده الواضح وايحاءاته في تشخيص العلل والأخطاء وكيف أن كلها جديدة في تشوفات الشاعر، وأنها مشخّصة في أن ما حدث سببه هو لأنه كان في غفلة عنه رغم قربه منه "حين كان القربُ عبادة"، "لم أعرفه وهو قريبي". "وهبني اسما"، "أهداني غصنا"، وقال: اسعى"، "أعطاني درعا".

ولذلك فإن هذا النص الجميل للعماري إذا ما وضع في إطار ظرفه التاريخي، سيبيّن لنا بوضوح شديد بأنه ناتج مجازي مُعبِّرا بحساسية وعاطفة قوية عن بنية ليبية واقعية جديدة تكونت بسبب الحرب التي لا تزال أزماتها وتداعياتها ونتائجها قائمة.

ورغم ما يحمل النص من تماوج بين بداية تفاؤلية قريبة من النفس، ونهاية تشاؤمية يبدو ان العماري بحسه المرهف يستبعد أن نستريح قريبا حتى وان كنا "روحان في جسد" لان "الريحُ تشيرُ" الى أن "القارئُ سيتعب".

وأخيرا فمجرد أن يكتب شاعر بحجم مفتاح العماري مثل هذا النص لينشر المعرفة ويمارس دوره في الصبر والتفاؤل، فذلك عندي أولى إشارات وبشارات التعافي والتخلص من هذا الواقع المأزوم.