حرب المواقع... بين رجال الدين

وكلاء الله في كل مكان

ءليس غريبا أن يتواطأ رجال الدين مع الساسة فتاريخنا حافل بالأمثلة التى تثبت تورط عدد المحسوبين على النخب العلمية والمصنفين ضمن خانة علماء الأمة فى المؤامرات، والدسائس لتصفية المعارضين للسلطة القائمة كل ذلك بدعوى الحفاظ على الدين، والشرعية، ووحدة الأمة، وغيرها من المبررات.

لكن الغريب أن يسلك بعض هؤلاء سلوك بلطجية يستولون على المنابر بالقوة ويخطبون فى الناس فيشتمون هذا السياسى، وتلك الناشطة الحقوقية، ويدعون إلى تصفية المارقين من الدين من العلمانيين، وغيرهم ومن ثمة فإنهم يظهرون فى لبوس دينى والحال أنهم يتسيسون حتى النخاع، ويريدون الهيمنة على الجماهير، وفرض تصوراتهم بالقوة مستغلين الدين لتحقيق غاياتهم ومصالحهم.

والظاهر أن الرغبة فى احتلال موقع يؤهل صاحبه لممارسة سلطة أكبر من سلطة الخطيب فى المسجد قد حفزت عددا من الدعاة أو المتطفلين على الدعوة أو الهواة على انتحال صفة الثورى. فوجدنا ثلة من هؤلاء يخطبون فى الساحات العامة، وفى القطارات والحافلات، وفى المؤسسات التعليمية، والأسواق يصدرون الأوامر والنواهى، يحللون ويحرمون، ويُفتون فكانت سنوات حكم الترويكا سنوات السيولة ، والفوضى فى المشهد الدينى، والإفلات من العقاب إذ ما استطاعت الحكومات المتعاقبة حل معضلة إمام جامع الزيتونة الذى تطاول على القانون، وجمع من حوله ميليشيا تؤازره فى عملية السطو على الجمعية الخلدونية فتعنف المنخرطين فيها أمام مرأى الجميع.

فتحت النهضة ذراعيها لاستقبال الدعاة من كل صوب علهم يؤسلمون بلدا صوروه على أنه عاش «تصحرا دينيا» طيلة عقود. وهكذا تضافرت الجهود من أجل التضييق على الحريات، وفرض نمط عيش «مؤسلم» بالقوة، وانتشرت الجمعيات، وتضخم عدد الدعاة وعقدت اللقاءات بين قيادات من حزب النهضة والمؤتمر والتكتل ومجموعات قيادية من أنصار الشريعة وغيرها من التيارات السلفية، وخطب بعضهم فى القصر ومارس الدعوة فى السجون، وخطبت القيادات النهضوية مبررة الجهاد فى سوريا، وساهمت جمعيات خيرية فى تسفير الشباب إلى سوريا.

ولكن تغير الحال مع حكومة مهدى جمعة بعد أن فرض الرباعى الراعى للحوار شرط تنظيم المجال الدينى، والسيطرة على المساجد. وهكذا جعل وزير الشئون الدينية قضية تحرير المساجد الخارجة عن سيطرة الوزارة أولويته، وبدأ العمل على تحرير جامع الزيتونة (وكأننا نعيش حالة استعمار جديد).

وما إن تسلم الوزير الجديد الشيخ بطيخ مهامه فى حكومة الصيد حتى اتضحت خطته فى إعادة النظر فى إدارة الشأن الدينى، وبدا المستور جليا: فعدد المساجد الخارجة عن السيطرة يفوق العدد المصرح به سابقا، والبناء الفوضوى شمل تشييد محلات استعملت لغاية الصلاة، وعدد المساجد التى بنيت بطريقة عشوائية ازداد وكشف رئيس جمعية الأئمة النقاب عن التجاوزات التى ارتكبها نورد الدين الخادمى النهضوى وزير الشئون الدينية فى عهد الترويكا وقدم شهادات بشأن من امتلكوا السلطة فوظفوا المساجد لخدمة أجندة سياسية والتعبئة للانتخابات، وشجعوا الشباب على السفر للجهاد، وساهموا فى استشراء خطابات العنف والتطرف وثقافة الكراهية. فكانت النتيجة بروز العراك فى بيوت الله وانقطاع بعضهم عن الصلاة فى المساجد.

ولا غرابة أن يرد الأئمة الذين تمتعوا بحرية الحركة، و الحصانة الفعل وأن يشنوا حملة على وزير الشئون الدينية الحالى، وأن ينظموا تحركا احتجاجيا أمام الوزارة بتاريخ 16ــ4ــ2015 علهم يطيحون بوزير لم يناصرهم، ولم يكن غطاء ساترا يتغاضى عن تجاوزاتهم باسم الدين ظاهرا والتيارات الإسلامية باطنا.

وبالرغم من كره هؤلاء الأئمة للعلمانيين والدولة المدنية وما تقوم عليه من أسس ترسخ ثقافة المواطنة فإنهم لم يتوانوا عن استخدام الآليات المتداولة لدى خصومهم. فتجمعوا أمام الوزارة ورفعوا اللافتات، وكتبوا الشعارات. فباسم الدستور والحريات هاهم يطالبون بحقوقهم أو امتيازاتهم. ولا غرابة فى ذلك فكل الوسائل جائزة من أجل الحفاظ على مواقعهم، وفرض قداسة على المجال الدينى وعلى ممثليه، وتصفية حساب مع تاريخ بورقيبى حد من سلطهم وغير منزلتهم فى المجتمع.

ليس غريبا أن يحدث التحالف بين قيادات سياسية وفئة من الأئمة الذين لم يساءلوا ولم يحاسبوا على توظيف الدينى لخدمة السياسى، وتصفية العلمانيين بل أخطر من ذلك بث الفرقة بين الناس، والعبث بمصير الشبان، ونشر العنف، فالمصلحة هى واحدة التهرب من المسئولية التاريخية، والإفلات من العقاب، والقضاء على الخصم المشترك والهيمنة على الشأن الدينى.

ولعل المعركة هى فى جوهرها، معركة ولاية الفقيه السنى فالأنموذج الإيرانى يلقى بظلاله علينا، ومواقع الشيوخ فى السعودية، ومصر، والكويت تغرى.

آمال قرامي

كاتبة تونسية