تداعيات محنة الوطن على خشبات المسرح الاغترابي العراقي

مقترح بصري

على قاعة مسرح سترلنك هايتس هاي سكول في ولاية ميشغن الاميركية، قدمت فرقة مسرح الرافدين، باكورة إنتاجها مسرحية "الماله أول، ماله تالي" وهي من تأليف واخراج الفنان باسم الامين، وتمثيل نخبة من أبناء الجالية العراقية في المهجر، منهم حميد دلي، ناصر الحمداني، ثائر العطار، نظير وردا، تيريز الكاتب، سرمد خمورو، شذى هرمز، وباسم الأمين، ولمدة ثلاثة أيام، وبحضور جمهور واسع من أبناء الجالية العربية والكلدانية.

"المسرح هذه الكلمة الرائعة للفن الذي يجسد الدنيا بافراحها واحزانها، والمسرح هو المكان المفعم بالعظمة والرهبة والاحترام، وله قدسيتهُ في الكون، وكما قيل في المسرح من قبل المفكرين "أعطني مسرحاً أعطيك شعباً عظيماً، وما هي الدنيا إلا مسرح كبير، ونحن فرقة الرافدين المسرحية التي تعشق جمال المسرح، لها عظيم الفخر والشرف، أن تقدم لجمهورها الحبيب والعزيز والذواق والمشجع للفنون الجميلة، وخاصة المسرح". هذا ما جاء في كلمة مدير المسرح لفرقة الرافدين في "البروشور" الذي وزعه على الجمهور قبل دخوله قاعة العرض المسرحي.

تبنى صانعو العرض مقترحا ًبصريا ًتمثل في إيجاد بيئة عرض مغايرة حيث تبدأ المسرحية بمشهد رياضي حيث صيّر من المكان ملعب كرة قدم وأطلق شظايا الصراع من خلال شخصية "دوحي" والتي مثلها مؤلف ومخرج العرض باسم الأمين، وهو يوزع خطة اللعب بين اللاعبين، وهم أولاد المدينة، في بيته العتيق، للدلالة على الوطن. وهنا يبدأ النزاع بينهم حول الهجوم والدفاع، مستخدماً "الكرة" في إشارة إلى هذه الدنيا الكبيرة ودوائرها التي قسمت الأهل فيما بينهم، وما يحصل لهم من معاناة، نتيجة التمزق وعدم الإتفاق، مما أدخلنا المؤلف في دوامة خطاب فني حاكى ظاهرة التشتت والتمزق، من خلاله شخصية "الجن" القادم إلينا من الفضاء، وما حاصل من تقادم الأيام على أزمنة الظلم الذي وقع على أبناء شعبنا العراقي، جراء السياسات الخاطئة، وتسببت في ترسيخ مفاهيم خاطئة بعيدة كل البعد عن أبنائه، وهذا الظلام الدامس الذي يلف بلدنا الحبيب، نتيجة الانفجارت والقتل اليومي على الهوية، ودخول قطعان داعش، هو موجة من الموجات الصعبة التي مر بها الوطن، والاستلاب المقصود الذي يمارسه البعض، وأقصد هنا "القوى الظلامية" الكارهة للحضارة العراقية.

وهذا ما أكده الأمين من خلال حواراته المتكررة التي أفصح فيها عن مسلة حمورابي الشهيرة، التي يعرفها القاصي والداني، مؤكداً بقاء العراق رغم الظروف الصعبة التي مر بها، ومن خلال الشخصية الرئيسية "دوحي" أراد الإفصاح عن كل شاردة وواردة، فالخطاب الذي نحن بصدد الحديث عنه يعدُّ خطابا ًمفتوحا ًعلى عدد من الانساق الدلالية الذي تمكن مخرجه من تحريكه بصريا ً عبر من خلال اللعب على مفردات سيميائية تم استثمارها لأقصى طاقتها التعبيرية وتوظيفها دلالياً لتحقيق الغرض التأويلي، فالصراع تمظهر عبر تنافس اللاعبين على الكرة والاستحواذ عليها، ولعل لجوء المخرج لهذه الفرضية المكانية ذلك للهروب من أجواء الواقعية المحضة المتمثلة بالنص الذي كان باللغة المحكية المحلية العراقية، فرسائل العرض التي تدفقت هي نتاج تفاعل علاقات تشابكت ضمن سياق بصري وسمعي أفضى الى تلك الرسائل التي هي بمثابة دق ناقوس الخطر الذي بات يداهمنا بأشكال مختلفة.

وفي ذات المنحى عمد المخرج على تغيير ملامح المكان من فصل الى لآخر، فتارة أحال المكان الى ملعب كرة قدم، وتارة أخرى وظف المكان الى قاعة مرافعات قضائية، وفي كل فصل يعمد على إيجاد مساحة من التعبير البصري عبر استخدام أسلوب التشفير والوضوح والمباشرة المقصودة التي لا تحتاج كثيرا ً من الجهد لتفكيك المعنى الكامن في مشهدية الحدث تارة أخرى، ولا شك أن آلية أنساق العرض جاءت ضمن نسق تركيبي ضمن صيرورة متحركة الدلالة، فرمز "كرة القدم" مر بتحولات دلالية في هذا العرض ففضلا ًعن كونها كرة لعب، فهي العجلة الدوارة التي يمكنها سحق أي معترض لطريقها، أو يحاول تغيير المسار فيها، حتى ألف الناس المظالم، ولم تعد بهم حاجة للشعور بالألم، وهي الأرض التي تدور بنا، وهي رمز للدوائر التي تدور حولنا.

ولهذا نجد الشحصيتين "دوحي + صاحي" مستسلمين لسياط "الجن" وهم يتلقيان الأوامر بلا تذمر من خلال سير أحداث العرض المسرحي، حتى نتفاجأ بنهاية العرض الإنقلاب عليه. يقول المؤلف والُمخرج الأمين: حينما نشعر بظمأ الغربة، وحرقة الشوق للماضي تهب نسائم الحنين للوطن، ونتوق لشربة ماء لنطفأ ظمئنا من مائنا العذب، من هنا كانت فكرة المسرحية، فالمرء يجب أن لا ينسى أهله وأحباءه وبلده، ذلك البلد الذي يسكن قلوبنا وننبض بحبه، وأن الغربة مهما طالت فلا بد ليوم أن تنتهي، لنكمل ما بدأنا، ونحول الحلم إلى حقيقة، ويكون عراقنا أجمل البلدان.

وفي إطار إشتغالاته الأخرى فإن المخرج رغم محاولاته للابتعاد عن البيئة الواقعية فإنه في بعض المواضع عزف على أوتار عواطفنا من خلال أحد المشاهد التي يظهر فيها البيت البغدادي العتيق بدفئه وعراقته وهو يحاكي الماضي ويدخلنا في توتر من خلال سيطرته على المشاهد بإضاءة خشبة المسرح إضاءة كاملة، وهو يرسم تفاصيل حياتنا الدقيقة التي أراد لها أن تكون مستلبة، بالرغم من تعدد المشاهد التي أدخلنا بها "مشهد في تركيا أو في أميركا" لكنها ظلت صامتة دون حراك، فالمخرج كان بإمكانه التحرك بشكل أوسع على خشبة المسرح، والتخلص من تقيد حركة الممثلين في وسط المسرح في الكثير من المشاهد، وترك أقصى اليسار، واقصى اليمين، الا في بعض الحركات وخاصة حركة "الأم + مديرة المكتب + الجن" ورغم جمالية التكوين تبقى معظم اللوحات بحاجة الى توظيف جماليات الحركة للتأكيد على معنى الحالة المطروحة.

وجاءت السينوغرافيا بوصفها العنصر البصري الذي قام بتفعيل منظومة العرض ويمكن تصنيف هذا العرض الى باقة عروض الواقعية الرمزية فأحيانا ًتشعر انك أمام ترجمة أمينة للواقع وأحيانا ًأخرى يتم تمرير بعض علامات الترميز وذلك الذي أراده المخرج وقد يكون إختياره لخشبة مسرح غير "ثانوية سترلنك هايس" المؤطر، الذي حجم عملية تفعيل الكتل "الأثاث" وما رافقها فوق الخشبة نظرا ً لصغر فضائه ولو انه اختار خشبة ذات فضاء ٍأرحب لتمكن من إطلاق حركة الكتل على نحو أوسع.

وفي ظني أن المخرج المعاصر لا يمكن له بهذا المفهوم أن ينفصل عن فهمه الدقيق لسينوغرافيا العرض المسرحي، وأوكد أن الرؤى الجديدة لدى أي مخرج معاصر تُنطلق من التفكير العميق في تكوين سينوغرافيا العرض.

وأخيرا ً لا ننسى جهود الكثير من الممثلين الذين جذبوا انتباه المشاهد ومنهم الفنان ناصر الحمداني، وهو ملحن وموسيقي، والفنان حميد دلي الذي اشتغل بطريقة رشيقة مع شخصية "الجن" وما تميزت به الفنانة تيريز الكاتب بصدق المشاعر عندما جسدت العديد من الأدوار (بنت الخال + النصابة + مديرة مكتب). وجاءت الفنانة شذى هرمز وهي تؤدي دورها "الأم" بمهارة فائقة، وبالتالي تحية لفريق العمل الذي قدم هذا العرض بجهوده وعلى نفقته الخاصة لإيمانه بدور المسرح ولتوقه بتقديم عروض مسرحية تحاكي واقعنا وتثير الجدل حيال أبرز القضايا الساخنة التي تهمنا كمجتمعات إنسانية معاصرة.