هل ستُخرِج الأزمة السوريين من الزمان الميثولوجي؟

إذا كان العصر الصناعي قد أخرج أوروبا وبرفقتها أميركا الشمالية، من زمانها الميثولوجي، بفصله التاريخ عن الأسطورة، وترسيخه مقوّمات المجتمع المدني. فإن مجتمعات كثيرة في آسيا وأفريقيا بقيت سادرة في زمانها الميتولوجي، تسود فيها أنماط الزراعة التقليدية والمانفاكتورة ولواحقها والمركنتلية التجارية، بالإضافة إلى رسوخ العلاقات العشائرية والإشادة بها، وكمون شيوع التعصب المذهبي والديني والدأب على إظهار التنكر العلني له.

يفوت بعض المثقفين وبعض العاملين في الشأن العام أن الصناعة عموماً، والثقيل منها بشكل خاص، لا تحتمل اللبس الناجم عن مزج الواقع بالحلم، كما مَزج التاريخ بالأسطورة، إذ أنها تتقبل الحلم العملي التطبيقي، المرتبط باستنباط نظرية علمية أو تطوير آلة أو أداة، وتنتظر نتائجه، بل وتشجّع عليه.

من جهة ثانية، يختلط الأمر عند من يظن أنه برفضه جلّ ما يتعلق بالماضي، يكون قد قطع علاقته بمؤديات الأسطرة! في حين إنه، واقعياً، عزل نفسه عن المجموع، محاولاً التعالي عما لا يستحق التفكير فيه، في رأيه، غير أنه تطبيقياً مارس تأجيل الخوض فيما ليس مسموحاً، عموماً وبتواطؤ الجميع، التداول فيه، وأضاع مسار العبور، ليس وحده، إلى الحداثة التي أوجبها العصر الصناعي على أوروبا قبل أن يسمح لها بالدخول إليه أو فيه.

يبدو في نهاية نفق أزمتنا الاجتماعية العاصفة بصيص ضوء يوحي ببدء مناقشة، ليس ما يجري بل ما الأسباب الكامنة وراء ما جرى؟! ولماذا سُفِح الدم السوري، دون رحمة أو شفقة؟! ومن الطبيعي أن لا ترد إلى الذهن كلمتي: "تراحم وتعاطف" لأن هذا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بكل ما تم السكوت - قسراً - عنه، من إشكالات وملابسات وتلفيقات وخزعبلات، غرسها عميقاً في الذهن الجمعي - على تنوعه الفائق الجمال - الراسب الأسطوري لتاريخ متناقل شفاهاً وما قرئ منه بالعيون، إنما تُليَ دون تحليل منهجي وممارسة نقدية يستندان إلى أساس علمي.

هل يمكن أن يكون هناك مناقشة مجدية إذا لم يجر الحديث المتفهّم والمتقبّل لكل ما هو ممنوع الحوار فيه، بصوت مسموع، بل ومرتفع بهدف العلانية، وخاصة بين من يحسبون أن مجمل الإرث السوري يخصهم، وأنهم مسؤولون عن استمراره حضارياً، وحمايته كله لا أجزاء منه، يخال البعض أنها تخصهم وحدهم.