السندباد البحري والسندباد البري .. رغبة 'الهي' في التوحد مع 'الأنا'

اعلم أن لي قصة عجيبة

"المعاني العميقة الموجودة في قصص الحواديت والأساطير والأدب الشعبي، التي حكيت لي وأنا طفل، كان تأثيرها أكثر عمقا من كل الحقائق التي علمتها لي الحياة فيما بعد". (شيللر - الشاعر الألماني)

قد تلمس هذه الحكايات والأساطير، القليل من الحالة الاجتماعية للحياة الحديثة، لكن هناك الكثير الذي يمكن أن نتعلمه منها، بخصوص المشاكل الداخلية للإنسان والحلول الصحيحة لها في أي مجتمع.

هذه الأساطير، قد وصلتنا بعد قرون عديدة من التغيير والتبديل، حتى أصبحت تلائم كل مراحل الشخصية الإنسانية، من طفولة وشباب وكهولة. وظلت هي أقرب الطرق وأصحها للتخاطب مع الإنسان البالغ بصفة عامة، متعلم هو أو جاهل، والطفل بصفة خاصة.

هذه الأساطير، تحمل رسالة إلى العقل الواعي والعقل الباطن على السواء. وتخاطب براعم "الأنا" في نفوس الأطفال، وتساعدها على النمو في نفس الوقت.

هذه الأساطير، تخفف من ضغوط العقل الباطن، وتعالج مشاكل النرجسية وعقدة أوديب أو إلكترا، ومشاكل الغيرة بين الإخوة والأخوات، وتوضح أيضا حقائق الحياة بخيرها وشرها.

الاختلاف بين "الأنا" و"الهي"، أو بين الواقع والعقل الواعي من جهة، والرغبة الملحة والعقل الباطن من جهة أخرى، في النفس البشرية، يتضح من حكاية السندباد البحري والسندباد البري. وهي من أشهر قصص ألف ليلة وليلة.

هذه هي حكاية السندباد البحري والسندباد البري، كما وردت في كتاب ألف ليلة وليلة:

كان ياما كان، في قديم الزمان، يعيش في مدينة بغداد، أثناء حكم الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد، رجل يدعى السندباد البري، أو السندباد الحمّال. فقير دقة. يكسب قوت يومه نظير حمله الأحمال وتوصيلها للزبائن.

في يوم حر شديد القيظ، كان السندباد البري يرزح تحت وطأة حمله الثقيل ولفح لهيب الشمس الحارقة فوق رأسه بدون رحمة. العرق كان يسيل من جسده ويتساقط مدرارا من قمة رأسه وجبهته على عينيه فلا يستطيع تبين معالم طريقه الوعر، الملئ بالحصى والحُفَر، الذي عليه أن يعبره حافي القدمين.

أثناء سير السندباد الحمال بحمله الثقيل، وجد نفسه أمام بوابة قصر منيف، يدل على ثراء صاحبه الفاحش. أمامه كنس ورش وأرض ممهدة خالية من الحجارة والأتربة والحفر. وجد في الظل أمام البوابة، مصطبة عريضة خالية. أنزل حمله الثقيل ووضعه عليها، ثم جلس إلى جواره لكي ينشف عرقه ويسترح.

جلس يلتقط أنفاسه، أو كما نقول بالبلدي (يأخذ نفسه ويشم الهواء). الهواء كان معتدلا، يأتي من حديقة القصر، من فتحات البوابة خلفه. مشبعا بالنسيم العليل الرطب، المعبأ بالعطر وأريج الزهور.

عندما اقترب الحمال من البوابة لكي يلقي نظرة من خلال فتحاتها، رأى السندباد البحري جالسا في الحديقة تحت ظل شجرة، وسط أصحابه وخلانه.

حولهم الخضرة ونوافير المياه. أمامهم ما لذ وطاب من أشهى المأكولات وأجود أنواع الشراب. الجواري تلبسن الملابس الشفافة الموشاة بالقصب والترتر والجواهر. تعزفن على الأوتار وآلتي الناي والعود. القنان ترتلن أحلى الكلمات وتغنين أجمل الألحان.

العصافير تزقزق والطيور تشدو باختلاف الأصوات، من قماري وهزاز وشحارير وبلابل وفاخت وكروان. البط والسلاحف تسبح في حوض الماء، الملئ بأسماك الزينة الملونة، أمامهم.

لقد رأى الحمال أيضا، طابورا من الغلمان والعبيد والخدم والحشم.

يلبسون الحلل اللامعة النظيفة الموشاة بالقصب وخيوط الذهب، وأشياء لا توجد إلا عند الملوك والسلاطين.

ثم هبت عليه رائحة الشواء والمشهيات والأطعمة الزكية والشراب الطيب، لكي تملأ أنفه وتسيل لعابه وتضيف إلى بؤسه بؤسا جديدا.

عاد الحمال ليجلس بجوار حمله الثقيل، وهو كالمضروب مئة صرمة. لا يزال العرق يتصبب من جسده. يتحسر المسكين على حاله وعلى بخته المهبب. يندب حظه العاثر في هذه الحياة. ثم ينسى نفسه ويصرخ متسائلا بصوت عال:

"سبحانك يا رب، يا خالق، يا رزاق. ترزق من تشاء بغير حساب." ثم يستدرك قائلا: "اللهم إني أستغفرك. لقد أنعمت على من تشاء من عبادك. فهذا المكان صاحبه في غاية النعمة. هو متلذذ بالروائح الطيبة والمآكل اللذيذة والمشارب الفاخرة والصحبة الماجدة. لقد حكمت في خلقك بما تريد. فمنهم من هو تعبان جدا، ومنهم من هو مستريح جدا. ومنهم السعيد، ومنهم من هو مثلي، غرقان في النكد والتعب والذل".

ثم أنشد يقول:

"فكم من شقي بلا راحة ** ينعم في خير فىء وظل

وأصبحت في تعب زائد ** وأمري عجيب وقد زاد حملي

وغيري سعيد بلا شقوة ** وما حمل الدهر يوما كحملي

ينعم في عيشة دائما ** ببسط وعز وشرب وأكل

وكل الخلائق من نطفة ** أنا مثل هذا وهذا كمثلي

ولكن شتان ما بيننا ** وشتان بين خمر وخل

ولست أقول عليك افتراء ** فأنت حكيم حكمت بعدل"

يسمع السندباد البحري من الداخل، صرخة سميه البري الجالس عند البوابة، والمليئة بمر الشكوى والاعتراض على عدالة توزيع الثروة.

قبل أن يحمل السندباد البري حمله ويغادر المكان، طلع عليه غلام صغير حسن الوجه، بملابس فاخرة، يدعوه للدخول ومقابلة السندباد البحري.

دخل السندباد البري مع الغلام، فوجد رجلا عظيما مليح الصورة حسن المنظر، لكزه الشيب في عارضيه فزاده هيبة ووقارا وعزا وافتخارا. يتوسط مجلسا في فناء داره المليحة. به سادات كرام وموالي عظام.

بهت السندباد الحمال وقال في نفسه: والله إن هذا المكان لهو من بقع الجنان، أو أنه يصلح أن يكون قصر ملك أو سلطان. ثم تأدب وسلم عليهم وقبل الأرض بين أيديهم ووقف وهو منكس رأسه.

أذن له السندباد البحري بالجلوس فجلس. قربه إليه وصار يؤانسه بالكلام ويرحب به، ثم قدم له شيئاً من أنواع الطعام الشهي الطيب. سأله عن اسمه فقال:

"اسمي يا سيدي السندباد الحمال، وأنا أحمل على رأسي أسباب الناس بالأجرة".

تبسم له السندباد وقال: "اعلم يا حمال أن اسمك مثل اسمي. فأنا السندباد البحري. لكن يا حمال، قصدي أن تسمعني الأبيات التي كنت تنشدها وأنت على الباب".

خجل الحمال وقال: "بالله عليك لا تؤاخذني فإن التعب والجوع والمشقة وقلة ما في اليد، تعلم الإنسان قلة الأدب والسفه."

قال له البحري: "لا تستحِ فأنت صرت أخي. انشد هذه الأبيات فإنها أعجبتني."

فأنشده الحمال تلك الأبيات التي طرب لسماعها وقال له:

"اعلم أن لي قصة عجيبة. سوف أخبرك بجميع ما صار وما جرى لي من قبل أن أصير في هذا العز والجاه، وقبل أن أجلس في هذا المكان، الذي تراني فيه.

إني ما وصلت إلى هذه السعادة وهذا المكان، إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة هائلة. فكم قاسيت من التعب والنصب. لقد سافرت سبع رحلات. كل رحلة منها لها حكاية تخلع القلب وتحير العقل. كل ذلك بالقضاء والقدر، وليس من المكتوب مهرب أو مفر."

السندباد البري، الحمال، يمثل "الأنا"، أو الواقع والعقل الواعي في نفس الإنسان. السندباد البحري، يمثل "الهي"، أو رغباتنا الجامحة التي تقودنا إلى الرضى أو تدفعنا إلى المخاطر. الرحلات السبعة، هي أيام الأسبوع السبعة، أو أيام عمر الإنسان المعدودة.

مصطلح "الهي" (ID)، عند فرويد، يشير إلى مجموعة الغرائز الموروثة للإنسان، والتي رُوضت فيما بعد إلى عناصر تكوّن ما يعرف بالحضارة. هذه الغرائز البدائية من الصعب ترويضها بالعقل وحده.

العقلانية والمنطق والفطرة السليمة، التي تمثل في مجموعها عند فرويد "الأنا" (Ego)، هي في الأصل من إنتاج "الهي" أو الغرائز.

لذلك، يلزمنا للسيطرة على "الهي" وترويضه، شيئا من نوعه، يكون أقوى منه وأشد تأثيرا. لذلك جاء فرويد بمفهوم "الأنا الأعظم" (Superego)، وهو ما نسميه بالضمير.

عامل طاغي قادر على إثارة الشعور بالذنب. الشعور بالذنب، هو سلاح "الأنا الأعظم" في ترويض وكبح جماح الغرائز أو "الهي".

لكن الغرائز أو "الهي"، يواصل وظيفته القديمة منذ الأزل في طلب المتعة التي يجدها في الطعام والجنس والرغبة في العنف. في وجود "الأنا الأعظم"، ليس أمام "الهي" سوى تحويل هذه الغرائز إلى مجرد رغبات. رغبات جنسية ورغبات عدوانية.

وظيفة رقابة "الأنا الأعظم"، هي تحرير العقل الواعي من هذه الرغبات أو التجارب المؤلمة التي قد تنتابه من حين لآخر. لكي يستطيع أن يقوم بوظائفه الحياتية بيسر وسهولة.

"الأنا" و"الأنا الأعظم" و"الهي"، كلها جوانب هامة من النفس البشرية. فهمنا للجوانب المختلفة لنفوسنا شئ ضروري. وجود الواقع بجوار الخيال، ووجود الليل والنهار، هما طبيعة الحياة وطبيعة النفس البشرية.

هذه الأساطير، تساعدنا على مواجهة الواقع والحياة. وتنمي ملكة الخيال، وتساعد على تكامل "الأنا" و"الهي" تحت إشراف "الأنا الأعظم" عند الإنسان، وهو التكامل اللازم لتكوين الشخصية السوية عند الفرد.

كون الحكاية، تختار نفس الاسم "السندباد"، للبحري وللبري أيضا، ودعوة البحري للبري لمؤاخاته، ولكي يشاركه الطعام وينعم عليه بالهدايا، لهو الدليل القاطع على رغبة "الهي" في التوحد مع "الأنا" في جسم ونفس واحدة.