المسيحية... مِن الأوروبة إلى الأفرقة

أفرقة الإنجيل والكنيسة وبشرة السيد المسيح أيضاً

ظهرت الحاجة إلى منظور أفريقي بديل لدراسة التبشير ونشر تعاليم الإنجيل في أفريقيا، وهو ما اتفق مع المنظور القومي الأفريقي الذي سيطر في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وارتباطا بهذا الفهم الجديد، بدأت دراسات التبشير في أفريقيا تركز على التصورات والمواقف الأفريقية، فضلاً عن إبراز دور الأفارقة في نشر المسيحية عوضاً عن المبشرين الأوروبيين. ولا شك أن قيمة هذا المنظور الأفريقي تكمن في أنه قام بالربط بين جهود التبشير والاستعمار الأوروبي للقارة، فالجمعيات التبشيرية الأولى في أفريقيا لم تكن من وجهة النظر تلك أقل عنصرية من باقي الأوروبيين في تعاملهم مع أفريقيا.

وثمة منظور ثالث يقدم رؤية نقدية للدراسات التبشيرية السابقة، سواء الأوروبية أو الأفريقية، وهو السائد في التقاليد العربية والإسلامية، حيث يغلب عليه الطابع الصراعي والاعتقاد الجازم بأن التبشير والتنصير إنما هما وجهان لعملة واحدة، ويهدفان إلى الغارة على العالم الإسلامي، الأمر الذي يستوجب الصدام والمواجهة. وعلى سبيل المثال فإن الأدبيات العربية تنظر إلى التبشير أو التنصير باعتبارهما عملية متجددة ومتطورة، من حيث أهدافها ووسائلها، وهو ما ارتقى بها إلى مرتبة النظام المعرفي من حيث المنهج والأدوات النظرية.

من الأوربة إلى الأفرقة

على سبيل المثال، حينما بسطت ألمانيا سلطاتها الاستعمارية على جنوب غرب أفريقيا (ناميبيا) والكاميرون وتوجو وشرق أفريقيا الألمانية (تنجانيقا ورواندا وبوروندي) أسرعت بإرسال البعثات التبشيرية البروتستانتية والكاثوليكية إلى هذه المستعمرات. بيد أن هذا النشاط التبشيري الألماني سرعان ما أصابه الوهن والضعف بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى ووقوع مستعمراتها تحت حماية كل من بريطانيا وفرنسا وبلجيكا.

ومن الجدير بالذكر في هذا التأريخ أن إيطاليا كانت آخر القوى الأوروبية في عملية السيطرة على المستعمرات في أفريقيا، حيث حصلت على ليبيا وإريتريا والصومال الإيطالية قبل الحرب العالمية الأولى. وخلال الحكم الفاشي، أحكمت إيطاليا قبضتها على ليبيا، كما قامت بغزو إثيوبيا عام 1935م، وإرسال الإمبراطور هيلا سيلاسي إلى المنفى.

وقد اختلفت الكنائس المسيحية بشكل ملحوظ عن المؤسسات الدينية الإسلامية في بنيتها الكهنوتية والإدارية ومنظومة القيم السائدة. فقد اعتمدت الكنائس الأفريقية على رجال الدين الأوربيين الذين شعروا بالتعالي على الأفارقة الذين ينتمون إلى بيئات ثقافية مختلفة تماما. لقد كان الهدف الأسمى للبعثات التبشيرية الغربية طيلة العهد الاستعماري هو التبشير والتنصير عن طريق جلب الإنجيل إلى أفريقيا. ويبدو أن المسيحية قد وجدت طريقها بسهولة في المجتمعات الريفية والنائية التى لم يصلها الإسلام، وكذلك المجتمعات الوثنية.

وعليه، فقد ظهرت الكنائس الأفريقية المستقلة خلال الفترة الاستعمارية باعتبارها حركة احتجاجية ترفض هيمنة المبشرين الأوروبيين، وتؤكد حق الأفارقة في تولى المسؤولية الدينية بأنفسهم. وكانت هذه الكنائس ترفض معاملة الأفارقة بطريقة دونية مختلفة عما ورد في التعاليم المسيحية، كما أنها رفضت سياسات العمل القسري والعقاب الديني التي انتهجتها السلطات الاستعمارية.

الكنائس المستقلة

1. الكنائس "القومية" أو "الإثيوبية"، وهي الكنائس المناهضة للاستعمار والتي ترى أنها مخولة من قبل الله للعمل سياسيا وبطرق أخرى من أجل إسقاط الحكم الاستعماري.

2. الكنائس "الروحية"، وهي المعروفة باسم الكنائس الصهيونية أو الرسولية. وتجري الطقوس الدينية الخاصة بالروح القدس بتناغم وثيق مع الثقافة الأفريقية.

3. الكنائس الخمسينية المحلية الأفريقية، والتي تركز أيضا على الروح القدس، ولكنها موجهة أكثر إلى المجتمع المعولم الحديث.

أفرقة الكنائس

لقد تميزت فترة تصفية الاستعمار بعملية أفرقة متسارعة Africanization للهياكل الكنسية والتبشيرية. وعلى سبيل المثال، في عام 1920م، لم يكن يخدم في الكنيسة الكاثوليكية سوى (50) كاهنا أفريقيا فقط. وقد قفز هذا العدد بحلول عام 1960م ليصل إلى (2000). ومع ذلك، فإن الكهنة الأوروبيين كانوا لا يزالون مسيطرين على التسلسل الهرمي للكنيسة، مع وجود رئيس أساقفة أفريقي واحد، و(25) أسقفا أفريقيا في نحو (325) أبرشية أفريقية. وربما كانت أفرقة الكنائس البروتستانتية أكثر يسرا من نظيرتها الكاثوليكية. فالمعايير التعليمية والكهنوتية المطلوبة للوصول إلى مرتبة الكاهن الكاثوليكي، كانت أعلى بكثير من تلك المطلوبة للحصول على رسامة القس البروتستانتي. لقد اتسمت الكنائس البروتستانتية، وخصوصا الإنجيلية منها، بأنها أقل مركزية وهرمية في تنظيمها.

وسائل التبشير

لقد كان الهدف العام للإرساليات التبشيرية في أفريقيا هو العمل على تحويل الأفارقة عن معتقداتهم وطقوسهم الدينية من أجل اعتناق المسيحية. ومع ذلك فإن اختلاف الطوائف المسيحية وتعدد الكنائس جعلا كل واحدة منها تعتقد بأنها حامية حمى العقيدة وأنها تمتلك "الحقيقة المسيحية". وقد كان الصراع على أشده بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية، وهو ما أثر يقيناً على جهود التبشير في أفريقيا.

الأقباط أوصلاء في أفريقيا

وعلى عكس القوى الاستعمارية، فإن الإرساليات التبشيرية لم تشهد أي تحالفات من أجل توحيد الجهود. وعوضاً عن ذلك، فقد شهدت الحركة التبشيرية انقسامات كبرى واستخدمت وسائل أبعد ما تكون عن القداسة والأخلاق من أجل اكتساب أراض جديدة على حساب الطوائف المسيحية الأخرى. وعلى سبيل المثال، كان الأهالي في توجو يطلقون على الكنيسة اسم "أرض المعركة" وهو ما يجسد حقيقة الصراع المرير بين مختلف الطوائف المسيحية.

تجدر الإشارة إلى أن وسائل التبشير المسيحي في أفريقيا قد تعددت أنماطها وأنواعها طبقاً لاعتبارات الزمان والمكان، حيث يمكن التمييز بين وسائل مباشرة وأخرى غير مباشرة، ووسائل تقليدية وأخرى حديثة فرضتها التغيرات المتسارعة التي شهدها العالم في ظل العولمة. وقد أفضى هذا التطور في آليات التبشير وطرائقه إلى ظهور ما يسمى بعلم التبشير missiology الذي يهدف إلى دراسة التوسع المسيحي عن طريق التبشير، أي إنه -ببساطة شديدة- ينصب على الدراسة المتكاملة للعمل التبشيري.

التبشير غير المباشر

استخدمت حركات التبشير المسيحية على تنوعها في أفريقيا وسائل غير مباشرة لفرض القيم الروحية الكنسية في نفوس الأفارقة من أجل تغيير بنية ومقومات حياتهم المعتادة. وكان من أبرز تلك الوسائل ما يلي:

إذ على الرغم من غطرسة واستعلاء الرجل الأوروبي الأبيض، فقد شعر الأفارقة بأن لديهم رغبة جارفة في تعلم واقتباس مصادر العلم والمعرفة من خلال هذا المستعمر نفسه. وعلى سبيل المثال، فإن تشينوا أتشيبي في روايته: "سهم الله" Arrow of God يظهر مفهوم الصراع الذي سيطر على كبار السن من الأفارقة ومحاولتهم تقبل فكرة إرسال أبنائهم لمدارس الإرساليات التبشيرية. ألم يأمر أيزولو رئيس كهنة الإله أولو بعد عودته من الاعتقال والنفي ابنه بالذهاب من أجل التعلم على أيدي الرجل الأبيض؟. يقول أيزولو مخاطباً ابنه: "عندما كنت معتقلاً رأيت شاباً أبيض يكتب بيساره. رأيته محدود الإحساس، لكنه كان يملك السلطة، فهو يستطيع أن يصرخ في وجهي ويفعل ما يحب، لماذا؟ لأنه يستطيع أن يكتب بيده اليسرى. هذا هو السبب الذي ناديتك من أجله. إني أريدك أن تتعلم وتتقن معرفة هذا الرجل. فإذا ما استيقظت من النوم فجأة وطلب منك القيام بالدور نفسه، فسوف تكون جاهزاً. يجب أن تتعلم كي تكتب بيدك اليسرى.

لقد مثلت الرعاية الصحية، التي قدمتها الإرساليات التبشيرية في أفريقيا، إحدى أبرز أدوات قوتها الناعمة لاكتساب قلوب وعقول الأفارقة وجعلهم أكثر تقبلاً لمفهوم التحول العقيدي. فقد استفاد المبشرون بالتطور العلمي والتكنولوجي في الغرب، وقدموا خدماتهم الطبية للمجتمعات المحلية، وهو ما أظهرهم بمظهر "القلوب الرحيمة" وذلك في مواجهة أعمال الشعوذة والممارسات الطبية التقليدية التي وقفت عاجزة عن توفير العلاج الشافي لكثير من الأمراض التي عانى منها الأفارقة.

عندما واجه المبشرون الأوائل صعوبة الاتصال مع المجتمعات المحلية نظراً لوجود الحاجز اللغوي؛ فإنهم ولوا وجوههم شطر الأفارقة أنفسهم للبحث عن معين من أجل القيام بوظيفة الترجمان. ولجأت البعثات التبشيرية الأوروبية شيئاً فشيئاً إلى الاعتماد على المدرسين ورجال الدين وغيرهم من أصحاب المهن والحرف؛ وذلك لضمان نجاح مهمتهم المقدس.