'عاصفة الحزم' تنتصر للإرادة العربية

لا شك في أن "عاصفة الحزم"ماضية في تحقيق الأهداف، التي أعلنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بالدفاع عن الشرعية التي يمثلها الرئيس عبد ربه منصور هادي، ولتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح في هذا التوقيت الصعب من تاريخ العرب ومنطقة الشرق الأوسط على حد سواء.

وهنا يمكننا رصد عدد من النتائج الإستراتيجية المتحصلة من وراء عاصفة الحزم، وأهمها دلالة وأبلغها أثرا، هي قضية إعادة رسم توازن القوى في المنطقة بعد ما كادت تميل بشكل كبير لصالح إيران ومشروعها التوسعي.

والواقع أن القراءة الموضوعية والمنصفة لعملية بهذا الحجم والدقة، تشير أولا إلى أنها كانت رسالة قوية لإيران ليست في اليمن فقط، وإنما في سوريا والعراق، وأن السعودية ومصر ودول الخليج قاطبة باتت تستشعر المخاطر الاستراتيجية على أمنها القومي من جراء مشروعات إيران التوسعية.

وثانيا: إنه أصبح من الممكن للدول العربية استنادا إلى هذا الواقع الجديد، أن يعيدوا اكتشاف أنفسهم وقدرتهم على إمكانية إقامة تحالفات عسكرية واقتصادية في المستقبل القريب، وفق مصالحهم وليس وفق مصالح الآخرين، والأهم هو إعادة رسم خرائط القوة بها وفق المصالح العربية القومية العليا.

ورغم نجاعة الضربات الجوية لقوات التحالف العربي، إلا أنها قد لا تكون كافية في مواجهة جماعة الحوثي مع الدعم الإيراني لها، لذلك يجب أن تكون الضربات جزءا من إستراتيجية شاملة تعيد يناء الدولة اليمنية من ناحية، وأن تتحول عاصفة الحزم إلى نقطة انطلاق لإعادة تقييم كافة المشاكل في المنطقة من ناحية أخرى، بحيث تحسم الدول الإقليمية الفاعلة استراتيجياتها وأولوياتها تجاه التمدد الشيعي في البلدان العربية، خصوصا وأن ردع إيران ووقف طموحاتها، يمثل أولوية على ما عداها من التخوفات الثانوية الأخرى.

كما يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الطريق إلى الانتصار ليس مفروشا بالورود، وإنما ربما يصطدم بطموحات إيران التي استطاعت طوال فترة غياب الرؤية العربية الموحدة، أن تحقق نجاحات واختراقات في جسد البلدان العربية والتي من الممكن أن تستغلها اليوم في إشعال حروب غير مرغوب فيها على خلفية طائفية، إذ تمثل هذه النوعية من الحروب مخاطر هائلة على القضايا الكلية للأمة، فيتحول الصراع من صراع عربي اسرائيلي إلى صراع إسلامي إسلامي، وهو ما خططت له إسرائيل وأميركا خلال العقود الماضية.

واقع الحال أنه منذ بداية انقلابهم ضدَّ الحكومة المركزية في سبتمبر 2014، نجح الحوثيون في توسيع نطاق سيطرتهم وإلحاق الهزيمة بخصومهم. ومع غياب أي مقاومةٍ عسكرية لهم تقريباً، انطلقوا من محافظة صعدة في الشمال للتوسع نحو العاصمة صنعاء، ثم منها إلى المحافظات الجنوبية، حيث يتمتع الرئيس هادي بتأييدٍ ساحق. وبسط الحوثيون سيطرتهم على الموانئ الرئيسية على ساحل البحر الأحمر، واستولوا على معظم الآليات والمعدات الخاصة بالجيش اليمني، بما في ذلك الطائرات الحربية وأبرموا اتفاق "شراكةٍ اقتصادية" مع إيران.

ومع ذلك، أخفق الحوثيون وفشلوا فشلاً ذريعاً في اللعب وفقاً للقواعد وأثاروا نفور واستعداء معظم اللاعبين الإقليميين (باستثناء إيران). فقد رفض الحوثيون دعوة المملكة العربية السعودية لإجراء مفاوضاتٍ في الرياض، كما رفضوا دعوات الأمم المتحدة لعقد محادثات سلامٍ في الدوحة. وبالإضافة إلى ذلك، تجاهلوا كل بيانات مجلس الأمن السابقة التي كانت تدعوهم بالاسم لوقف تمردهم وللتقيد بعملية الانتقال السياسي في اليمن.

والأخطر من ذلك، تسبب الحوثيون بنفور سائر الأحزاب السياسية اليمنية منهم - من الإسلاميين إلى الاشتراكيين - باستثناء تحالف غريب مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، والذي خاضوا ضدَّه حرباً من ست جولات خلال العقد الماضي.

المهم أن هناك جملة من التغييرات الجوهرية يجب تفعيلها بشكل ملح في العلاقات العربية العربية، ويأتي مقدمتها، قضية بناء علاقات قوية ودائمة، قادرة على الصمود في وجه الرياح والأعاصير، وغير خاضعة للتقلبات السياسية المحلية ولا لهوى الحكام، تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الثوابت، أهمها المصالح المشتركة لشعوب هذه المنطقة.