سباق المسافات الطويلة نحو طهران

ثلاثة أنباء تقاطعت (الإثنين) مع عاصفة الحزم المستمرة في تحقيق أهدافها.

أول الأنباء ما جاء على لسان أوباما في مقابلته مع صحيفة نيويورك تايمز عن العرب، وخاطبهم هنا ككتلة واحدة، في حالة نادرة نوعاً ما سوى في الصورة النمطية للعربي في الإعلام الغربي السياسي والثقافي.

قال أوباما، بوضوح، وليس تلميحاً، إن أميركا ستساند أي تدخل عربي لحل المسألة السورية.

بالطبع، لم يفت أوباما أن يدس السم في دسم الشرق الأوسط باعتبار أن أمن إسرائيل خط أحمر، وأن المساس بهذه القاعدة الثابتة سيعني فشلاً لرئاسته لأقوى قوة في العالم حالياً.

ثاني الأنباء هو زيارة ولي ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن نايف، لأنقرة، عشية الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان لطهران، وهو ثالث تلك الأنباء.

مبدئياً، بدأت أولى النتائج السياسية لعاصفة الحزم في تقديم الحوثيين باكورة تنازلاتهم على طاولة مفاوضات العاصفة، حتى قبل أن يتم الإعلان عن مكان الطاولة السياسية وزمانها. على كل حال، لا يزال الحوثي متعنتاً في تقديم تعهد مسبق بنزع سلاحه. لكن التنازلات بدأت، وليس في الأمر إرغام وذل مادام الحوثي اليمني سيقدم تنازلاً لأخيه اليمني.

من حيث الشكل، تبدو تلك التحركات كسباق تتابع تسلمت فيه السعودية العصا من أميركا، وسلمتها لتركيا، التي ستسلمها لطهران، فلمن ستلم العصا لينتهي السباق؟

قبل زيارته المقررة مسبقاً، بأيام، انتقد أردوغان السياسات الإيرانية في الشرق الأوسط، وتدخلها في سوريا واليمن، فامتعض الإيرانيون. الإيرانيون أنفسهم لا يزالون في حالة نشوة بعد نجاحهم في تبريد ملفهم النووي الذي كان ينذر بحرب طوال أكثر من عقد من السنوات، ولن يضعوا أنفسهم، خلال هذه النشوة، في أزمة مع السعودية وتركيا من أجل عيني الحوثي. وغالب الظن أنهم سيبردون ملف الحوثي، وستصدر أوامرهم للحوثي بأن يطأطئ الرأس مؤقتاً.

هذا التصرف المتوقع من إيران، أمام موقف عربي شبه موحد من الأزمة اليمنية بعد عاصفة الحزم، وشبه مدعوم من أميركا وتركيا، يتطلب الحذر أمام خبث السياسة الإيرانية وخبرتها غير المشكوك فيها في هذا المجال. فالسياسة هي حقاً سباق مسافات طويلة، أطول كثيراً من ماراثون، وربما يمكن تشبيهها بسباق تتابع ماراثوني لا حصر للاعبين فيه، وقد تصبر المؤسسة السياسية لبلد ما عشرات السنين لتحقيق هدف ما، وبينما تتغير وجوه الرؤساء والوزراء، فإن السياسة نفسها لا تتغير من حيث السعي إلى الهدف العظيم. وهدف إيران العظيم هنا الملف النووي، وكل الملفات الأخرى تأتي متأخرة عنه، حتى لو كان تصدير الثورة بلبوس الولي الفقيه. لن يتغير هذا، وسترى أنها خسرت معركة، بينما لا تزال الحرب مستمرة.

على السعودية، خاصة، كممثل للعرب في مواجهة السياسات الإيرانية، أن تتحصل على نتائج أكثر ديمومة للاستقرار في المنطقة، فالملف اليمني بعد الخطوة الجبارة لعاصفة الحزم يبدو قريب النتائج، ولن تتردد إيران كثيراً في تسهيل الحل، وربما جس النبض في ما يتعلق بالملف السوري المكلف جداً بالنسبة لإيران بعد إنفاق مالي وسياسي ضخم منذ عشرات السنين. المتوقع أن إيران ستقدم تنازلاً سهلاً في اليمن، في مقابل تعنت كبير في الملف السوري مادامت ساحات المعارك غير كافية السخونة.

الأنباء تقول إن تسخين الجبهات بدأ فعلاً بالتزامن مع عاصفة الحزم. وعليه، فإن الأطراف اللاعبة الآن في الشرق الأوسط بدأت تتهيأ للجلوس على طاولة التنازلات.

طاولة التنازلات الأولى بدأت مع "العاصفة"، وستلتئم سياسياً بعد أيام، أو أسابيع قليلة، ومن لم يجهز أوراقه، مسبقاً، للسباق الطويل، لن يفيده ربما التجهز الآن، ومن لا يملك الرؤية الصحيحة للأهداف بعيدة المدى قد يغره نصر قليل قريب عن نصر كبير يحتاج إلى صبر عدائي المسافات الطويلة وجلدهم.