خلاف بين السبسي ووزير خارجيته حول سوريا وتركيا

ارتباك في التعامل مع الملفات الخارجية الساخنة

قادت مواقف الدبلوماسية التونسية بشأن إعادة العلاقات مع النظام السوري وبشأن تسهيل تركيا لتنقل الجهاديين التونسيين للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية إلى عاصفة من الخلافات بين الرئيس الباجي قائد السبسي ووزير خارجيته الطيب البكوش ما بدا مؤشرا قويا على أن السياسة الخارجية للبلاد تعيش حالة ارتباك لا يتردد المراقبون في التأكيد على أنها مرشحة لمزيد من التفاعل قد يقود إلى تصدعات داخل حكومة الحبيب الصيد الائتلافية بين علمانيين وإسلاميين.

ويأتي ذلك في وقت يسعى فيه قائد السبسي إلى إنعاش السياسة الخارجية، بعد أكثر من أربع سنوات من "الشلل" نتيجة ارتهان حكومة الترويكا إلى سياسات المحاور، من أجل حشد دولي يساعد تونس على الخروج من أزمتها ويدعم جهودها في مكافحة الإرهاب الذي بات يهدد التجربة الديمقراطية في البلاد.

وبدأ الخلاف قائد السبسي ووزير خارجيته الطيب البكوش حين اتهم البكوش تركيا بـ"تسهيل تنقل الإرهابيين التونسيين إلى سوريا والعراق عبر الأراضي التركية وأكد أن تونس ترفض أن تكون أي دولة إسلامية مساعدة على الإرهاب معلنا أن تونس طلبت من سفيرها في أنقرة بأن يلفت انتباه السلطات التركية إلى "أننا لا نريد من دولة إسلامية هي تركيا أن تكون مساعدة بشكل مباشر أو غير مباشر على الإرهاب في تونس بتسهيل تنقل إرهابيين" نحو العراق وسوريا تحت مسمى "الجهاد".

واشتد الخلاف لما أعلن البكوش إن تونس ستفتح قنصلية في سوريا وترحب بعودة السفير السوري في خطوة بدت مؤشرا على استعادة العلاقات مع سوريا بعد ثلاث سنوات من قطعها خاصة وأن البكوش شدد على أن "تعيين قائم بالأعمال أو قنصل في دمشق سيكون في القريب العاجل.

وأثارت تصريحات البكوش جدلا في الأوساط السياسية لا لدى خصومه فقط وإنما أيضا لدى قيادات من حزب نداء تونس ما دفع بقائد السبسي إلى "الخروج عن صمته" ليشدد على أن "السياسة الخارجية لتونس يضبطها رئيس الجمهورية وتنفذها وزارة الخارجية" في تلميح واضح إلى أن البكوش ليس من صلاحياته إتخاذ مواقف دبلوماسية وإنما هو "مكلف بتنفيذ مواقف قائد السبسي.

ورد قائد السبسي على تصريحات البكوش قائلا إن تونس لم تغير موقفها من الوضع في سوريا وهي تتفاعل ضمن الإجماع العربي وشدد على أن تونس لم تغير سياستها في الموضوع ولن نخرج عن السياق العربي وهو ما يعني أن تونس لن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السوري.

ويقول دبلوماسيون تونسيون إن البكوش أعلن مواقفه كما لو أن السياسية الخارجية من مشمولاته في حين أنها من صلاحيات قائد السبسي.

وينص الدستور الجديد على أن "ضبط ملامح السياسة الخارجية وتوجهاتها هي من صلاحيات رئيس الجمهورية دون سواه" ما يعني أن صلاحيات وزير الخارجية تقتصر على تنفيذ ما يمليه قائد السبسي.

ووجدت مواقع التواصل الاجتماعي المحسوبة على الإسلاميين في نفي قائد السبسي لإعادة العلاقات مع سوريا فرصة للتشفي من البكوش الذي يقود تيارا يساريا نقابيا داخل نداء تونس كثيرا ما عارض إشراك حركة النهضة في حكومة الحبيب الصيد معتبرا أن مكانها الحقيقي هو مقاعد المعارضة.

ويبدو أن البكوش أحرج قائد السبسي وتركيا معا عندما اتهم أنقرة بتسهيل تنقل الجهاديين التونسيين إلى الالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية الأمر الذي دفع بتركيا إلى الاحتجاج ومطالبة تونس بتقديم توضيحات.

ورأى دبلوماسيون في الطلب التونسي "اتهاما واضحا" بتورط تركيا أردوغان في مساعدة شبكات تجنيد الجهاديين القادمين من عدة بلدان عربية وأجنبية باتجاه الأراضي السورية لافتين إلى أن تركيا تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى المعبر الوحيد والآمن الذي يسلكه الجهاديون للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية بمساعدة السلطات التركية.

وعمليا لم يكن اتهام البكوش لتركيا بتسهيل تنقل الجهاديين التونسيين مجانبا للواقع لكن قائد السبسي رأى فيه تدخلا مباشر في صلاحياته كما رأى فيه "مدخلا لأزمة دبلوماسية مع تركيا" ليست تونس في حاجة إليها في مثل هده المرحلة الدقيقة وهي مرحلة يحاول فيها قائد السبسي توسيع نشاط الدبلوماسية التونسية من جهة، والنأي عن أية مواقف من شأنها أن تقود إلى أزمة دبلوماسية سواء مع تركيا أو مع ليبيا حيث اختار الوقوف على نفس المسافة من الحكومة التي تحكم شرقا ومن قوات فجر ليبيا التي تحكم غربا.

غير أن السياسيين يقولون إن الخلاف بين قائد السبسي والطيب البكوش هو "أبعد" من كونه "دبلوماسيا" مشددين على أنه خلاف سياسي يعكس تباينا شاسعا في كيفية تعاطي الرجلين مع الملفات المطروحة على البلاد وفي مقدمتها ملف الجهاديين التونسيين.

فقائد السبسي الذي كان وراء إشراك حركة النهضة في الحكومة على الرغم من تأكيده خلال الحملة الانتخابية أنه لن يتحالف إلا مع العائلة الديمقراطية ينتهج دبلوماسية "حذرة" ولا يريد أن يخسر دعم عديد البلدان بإثارة أزمات دبلوماسية، وهو يفضل "التضحية" بمواقف جريئة وواضحة من أجل تجنب أي أزمة دبلوماسية سواء مع أنقرة أو مع البلدان العربية التي قطعت علاقاتها مع دمشق.

أما الطيب البكوش الذي قضى حياته للدفاع عن حقوق الإنسان ويرى في الجماعات الجهادية خطرا حقيقيا فإنه يفضل إتحاد "مواقف مبدئية" تنسجم مع سياسة تونس الداخلية الرافضة للإرهاب، وهو يرى أن إنقاذ تونس من أزمتها لا يستوجب "المجاملات" وإنما يستوجب "مواقف جريئة" خاصة في ما يتعلق بملف الجهاديين وبمن يمولهم ومن يسهل لهم التنقل ومن يحتضنهم.

ولا يتردد السياسيون التونسيون في القول على أن الخلاف بين قائد السبسي والبكوش هو مؤشر قوي على بداية "تصدع" حكومة الحبيب الصيد التي تضم حركة النهضة وهي حركة تتمسك بالإبقاء على القطيعة مع النظام السوري، وتعتبر نظام أروغان نموذجا ناجحا لحركات الإسلام السياسي.