الأرثذوكسية الدينية... أساليبها الوهمية

زمن الخرافة بعيداً عن العقل

نحن بحاجة، ولاسيما في هذا الزمن الذي يعتمد النقل من قبل خطباء ورجالات دين والنقل المتماشي مع الخرافة بعيدا عن العقل، إلى الإيمان القائم إلى الإيمان القائم على العقل لا النقل، فهنالك نقلا عقلانيا ولكن جل ما ينقل الينا عبر المنابر الفضائية هو النقل المخالف للعقل.

وهنالك من الفلاسفة في عصر التنوير من رفعوا هكذا شعارات. ومنهم غوتهولد افرايم ليسنغ( 1729-1781) وهو أول ناقد ادبي ألماني وأول مؤسس للنقد المسرحي ، ولكن اهميته لا تقتصر على ذلك. يقول عنه هاشم صالح: وضع قلمه في خدمة فلسفة التنوير وخلال 300 سنة انخرط بكل شغف في دراسة تاريخ الاديان ودخل في معارك حامية مع بعض اللاهوتيين المسيحيين، واذا كان قد رفض مهنة الكاهن المسيحي التي اشتهرت بها عائلته أباً عن جد فذلك لأنه فقد مبكرا ايمانه باليقين التقليدي أي بالأرثذوكسية المسيحية كما لدينا اليوم أرثذوكسية شيعية او سنية التي يعرّفها هاشم صالح: هي مجموعة من العقائد والطقوس التي ينبغي لك أن تعتنقها وتمارسها وإلا اعتبرت خارجا على الدين.

وهذا ما نراه اليوم متحققا في مجتمعنا فلكونك لا تمارس الطقوس الدينية فانت خارج الدين: كافر وفاسق وكاذب ودجال وغيرها من الصفات غير المهذبة التي يلصقها بك البعض، وكأن الطقوس الشعائرية هذه هي التي تجعل منك انسانا حقيقيا، وبالعودة الى ليسنغ فلقد كان في حالة بحث عن ايمان جديد قائم على العقل لا النقل وكان يطالب بحقه في تطبيق المنهج التاريخي النقدي على النصوص المسيحية المقدسة .ومن كتاباته الاولى: مسيحية العقل.

أي: المسيحية القائمة على العقل وهي تختلف بالطبع عن المسيحية المسيطر عليها رجالات الدين والقائمة على النقل والتقليد، يقول هاشم صالح عن هذا الكتاب بالذات "تتجلى فكرتان أساسيتان من افكار ليسنغ في هذا الكتاب، الأولى: تقول بأن الله خارج كل الأنظمة اللاهوتية أياً تكن، فلا يمكن سجن الإله داخل نظام عقائدي لاهوتي سواء أكان مسيحيا ام غير مسيحي.

فالله اكبر من أي عقيدة خصوصية والفكرة الثانية تقول: بأن أعمال الإنسان هي: الأساسية وليست معتقداته أو صلواته وعباداته، فاذا كان يفعل الخير ويحب الآخرين وينفع المصلحة العامة فإنه مؤمن جيد وحتى لو لم يصلِّ ركعة واحدة في حياته، وإذا كان أنانيا وغشاشا راكضا لاهثا وراء المنافع الشخصية والمصالح الضيقة ومن كانت هذه صفاته فلن ينفعه إيمانه لو صلى باليوم 1000 ركعة وفعل ما فعل من طقوس كثيرة ،فالسلفيون أيا كانت انتماءاتهم المذهبية يدّعون ان منهجهم متاح وأن طرحهم المعلن اصبح خاليا من مفردات التضليل والتكفير وهم يحرصون على نبذ العنف والتشنيع على التطرف والإرهاب ولكن كل هذا الكلام هو شعارات يرفعها هؤلاء فهم مليئون بالتبديع والتضليل والتكفير والسؤال هل يجرؤ رموز السلفية وقادة الأُصولية المعاصرة على التبرؤ صراحة وبوضوح من كل ما ورد من تراث سلفي ولو كان القائل به من الرموز الكبار والمرجعيات العظام والجواب واضح: كلا لأنهم لو فعلوا ذلك فقدْ فقدَ هؤلاء قاعدة مالية وسياسية واجتماعية تعتاش عليها السلفية، ان فلسفة ليسنغ نجدها مدينة لسبينوزا كما يتجلى ذلك في كتابه "حول حقائق الاشياء خارج الله".

وهذا الموقف المتحرر جدا من اللاهوت القديم دفعه الى الدخول في معارك فكرية مع العديد من رجال الدين وبالأخص القس غويز، وعقيدته ملخصة في كتابه الذي اصدره قبل موته "تربية الجنس البشري" وملخص أطروحته "إن البشرية خلال تاريخها الطويل تمشي من وحي إلى وحي، وبمعنى آخر فإنها انتقلت من مرحلة الشرك وتعددية الآلهة الى مرحلة الوحي الموسوي، والى مرحلة الوحي المسيحي، فالمسيح دشن المرحلة الأخلاقية الثانية من تاريخ البشرية، وغداً قد يظهر عصر ثالث للبشرية حيث يصبح البشر وأعين تماما بقدراتهم ويفعلون الخير من اجل الخير لا رغبة في الثواب الآخروي ولا خوفا من العقاب الإلهي، والواقع أن ليسنغ كما يشير هاشم صالح تنبأ بالعصر المقبل قبل أن يحصل، فالبشرية الأوروبية المستنيرة أصبحت تتبع المبادئ الأخلاقية في المعاملة حتى بعد خروجها من اللاهوت، وربما لأنها خرجت منه بهذا المعنى، فإن ليسنغ كان أستاذاً للأجيال القادمة.

كما علينا الإنتباه إلى أن التربية كانت هي الشغل الشاغل لفلاسفة التنوير في القرن الثامن عشر، ومنهم جان جاك روسو وكتابه "أميل أو في التربية" حيث كان هؤلاء الفلاسفة يهدفون إلى تخليص الأوروبيين من ظلمات الجهل عبر إيجاد وعي معرفي حقيقي من خلال التنوير للمتعلمين.

ملحوظتان:

1- علينا الحذر من الأرثذوكسية في كل الأديان ونعني بها السلفية المقيتة أينما وجدت نعمل على تفكيك بنيتها ،لأنها بنية خطيرة ومؤذية للمجتمع تعتمد التصرفات السلبية التي تؤذي وتعمل على ايجاد بدائل خراب فيها تحت مسمى المؤسسة الدينية السلبية.

2- ليسنغ أو جان جاك روسو أو فولتير أو غيرهم من فلاسفة التنوير كأمثلة معرفية نسوقها في كتاباتنا وإلا فغيرهم كثير ممن أغنوا الساحة المعرفية العلمية والأدبية وأعطوا دروساً في نهضة إنسانية كبرى.

ياسر جاسم قاسم

كاتب ومهندس عراقي