كردستان بيضة القبان في عمليات تحرير الموصل

بعد ان كانت دول الجوار العراقي تجتمع دوريا للتباحث حول الوضع العراقي وتطورات الوضع الكردي فيه باعتباره عامل قلق، ها هي تتعامل مع اقليم كردستان كونه الطرف الاكثر وثوقا في معمعة الاحداث الحالية في المنطقة والتي تجتمع عليه الاطراف المتصارعة كونه نقطة التقاء يبدد مخاوف ضياع مصالحها المتضاربة.

فبعد الاتفاق المبدئي الاخير بين اميركا وايران حول الملف النووي، وحيثيات الوضع اليمني وتداعياته، كان لزاما تغير المعادلة السياسية في داخل العراق لتشمل عوامل ورؤى سياسية جديدة تستطيع اميركا من خلالها فرض وجودها من جديد في هذا البلد ضمن اليات تختلف عن سابقاتها لاعادة ترتيب اوراقها في المنطقة. تجلى ذلك في انحسار الدور الايراني في عمليات تحرير تكريت والصمت الاعلامي (غير المسبوق) للمسئولين الايرانيين بعد ان ضج الاعلام بتصريحات خطيرة لمسئوليها احرجت الساسة الشيعة في العراق واثارت مخاوف المكون السني العراقي والدول السنية في المنطقة.

انحسار الدور الايراني هذا اعطى السيد حيدر العبادي مرونة كافية لمسك خيوط اللعبة في يده والتحرك لرأب الصدع في الموقف العراقي الجمعي ضد الوجود الداعشي في هذا البلد، رافقه تحجيم ادوات معينة لمنافسيه ضمن المكون الشيعي، بتحييد دور بعض المليشيات الشيعية بعد اتهامها بانتهاكات في المناطق المحررة.. ما يضعف امكانية استفرادها بدور رئيسي في عمليات تحرير مستقبلية. وهكذا فان السيد العبادي في زيارته لكردستان والاتفاق على ضرورة مشاركة البيشمركة في عمليات تحرير الموصل قد ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد داخليا وخارجيا وكما سنحاول توضحية ادناه:

- ان مشاركة البيشمركة في عمليات تحرير الموصل تعتبر تعويضا عن النقص الذي سيسببه غياب دور المليشيات الشيعية والحشد الشعبي والجهد التعبوي لها.

- المشاركة الكردية في عمليات تحرير الموصل تبدد مخاوف دول الجوار العربية وتركيا من هيمنة الطرف المقرب لايران (المتمثل بالمليشيات الشيعية) على الوضع الميداني في العراق في مرحلة ما بعد داعش ومنع تكرار التجربة اللبنانية واليمنية فيه.

- كما ان للدول العربية مخاوفها من مرحلة ما بعد داعش فان لايران مخاوفها الخاصة بها بعد بروز دور دول الخليج ( السنية) كقوة سياسية وعسكرية، وعلاقاتها الوثيقة مع بعض الساسة السنة العرب في العراق. وما زاد هذا التخوف هو اصرار السنة العرب في العراق على ان تكون مهمة تحرير المدن السنية على عاتق ابناءها ومسلحي العشائر السنية، بمعنى اخر ولادة قوة مسلحة سنية تظاهي القوة المسلحة للطرف الشيعي وحتى للحكومة، ما يرجح كفة المعسكر المعارض لاي تواجد الايراني في العراق لمرحلة ما بعد داعش. ولذلك فان مشاركة طرف محايد في هذه العمليات (الطرف الكردي) يخفف امكانية هيمنة الطرف السني المشارك عليها.

- حل تعقيدات العلاقة الجدلية بين ايران وتركيا والتخوفات المركبة لهما حيال بعضهما البعض، خاصة بعد التقارير التي افادت بنية تركيا المشاركة في عمليات تحرير الموصل وما يشكله هذا الاحتمال من تنامي ذكريات تركيا العثمانية تجاهها. ولذلك فان مشاركة البيشمركة في تحرير هذه المدينة تبدد المخاوف المتبادلة للدولتين بمنع سيطرة التاثير الايراني عليها ( كما اسلفنا في النقطة السابقة) وكذلك تضمن عدم تدخل تركي مباشر في العمليات الا ضمن التحالف الغربي الموجود اساسا.

- من ناحية المكون السني العراقي فان عمليات النهب والسلب التي رافقت عمليات تحرير تكريت (سواء أكانت حقيقية ام مختلقة.. او مبالغ فيها) ادت الى تنامي الرفض الشعبي السني حيال أي مشاركة للحشد الشعبي في عمليات تحرير مستقبلية، وبرزت هذه التخوفات من التصريحات الاخيرة التي بدا الساسة السنة وشيوخ عشارئهم يدلون بها مطالبين من خلالها اشراك البيشمركة في معارك تحرير الموصل كونه الطرف الضامن لمنع حدوث انتهاكات مستقبلية لهذا المكون بعد طرد داعش.

اعتمادا على تصريحات المسئولين العسكرين في اقليم كردستان فان الطرف الكردي يركز على النقاط التالية في مبحاثاته مع المركز:

1- كيفية الحفاظ على امن المنطقة وسكانها بعد تحريرها من داعش.

2- تحديد المشاركة الكردية في هذه العمليات فيما اذا كانت رئيسية او ستقتصر على مساندة القطاعات العراقية.

3- امساك الارض ما بعد التحرير.

وهكذا فان الطرف الكردي تحول الى عامل استقرار ليس للعراق فحسب بل وللمنطقة بمجملها عكس توقعات دول المنطقة سابقا، لكن السؤال هنا.. هل يستطيع اقليم كردستان توظيف مشاركته هذه في انهاء مشاكله العالقة مع بغداد بما يصب في صالح الشعب الكردي، ام ان مشاركته ستكون هدية منه الى الاطراف العراقية والاقليمية دون اكتراث للدم الكردي الذي سيسيل هذه المرة ايضا دون ان يكون له ثمن؟