التونسيون يذكرون فرنسا بالندية في المعاملة

مصالح مشتركة

طالب تونسيون وتونسيات السلطات الفرنسية بـ"إلغاء" التأشيرة وبـ"وضع حد للتمييز العنصري" الذي تعيشه الجالية التونسية في فرنسا، كما طالبوا بـ"الكف عن التدخل في الشأن الداخلي للبلاد" و"القطع مع العقلية التي مازالت تعتبر تونس مستعمرة فرنسية" و"التعامل مع تونس كدولة حرة مستقلة ذات سيادة" فيما طالب آخرون بـ"عدم دعم جماعات الإسلام السياسي" التي احتضنتهم فرنسا لأكثر من عشرين سنة تحت عنوان "حق اللجوء السياسي".

وخلال تحقيق صحفي قام به "ميدل إيست أونلاين" الثلاثاء في تونس العاصمة على هامش الزيارة التي يؤديها الرئيس الباجي قائد السبسي لباريس لاستقصاء آراء التونسيين حول "مدى أهمية الزيارة بالنسبة لتونس" أجمع تونسيون على أن "الزيارة تكتسي أهمية بالغة لكون مصلحة تونس ترتبط شديد الارتباط بعلاقات جيدة ومتينة مع باريس".

وقالت هدى بن موسى، وهي محامية، "إن الزيارة من شأنها أن تساعد تونس على الخروج من الأزمة التي تتخبط فيها مند أربع سنوات سواء من خلال الدعم المباشر للاقتصاد في شكل قروض أو من خلال دعم غير مباشر من خلال تشجيع المستثمرين الفرنسيين على إطلاق مشاريع في تونس".

واعتبر الخبير في التنمية الاجتماعية عبدالجليل البدوي أن " مصالح تونس الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مرتبطة شديد الارتباط بدول الإتحاد الأوربي بصفة عامة وبفرنسا بصفة خاصة" مشددا على "ضرورة ترشيد علاقات تونس بباريس بعيدا عن عقلية الهيمنة والوصاية التي مازالت تسود صناع القرار في باريس".

وتمثل فرنسا الشريك الاقتصادي الأول لتونس حيث تستحوذ على 80 بالمائة من مبادلات البلاد مع بلدان الإتحاد الأوروبي، كما تعمل في تونس 1300 مؤسسة استثمارية توظف أكثر من 12500 شخص.

وشدد البدوي على أنه "إذا كانت فرنسا وفية لتعهداتها وتعتبر تونس شريكا أساسيا لها فعليها أن تدعم انتعاش الاقتصاد حتى تتمكن البلاد من الخروج من الأزمة وأيضا حتى لا يلتجئ المسؤولون التونسيون إلى بعض دول الخليج الذين عادة ما يشترطون الدعم المالي بدعم الجماعات الإسلامي وهذا خطر على تونس وعلى تجربتها الديمقراطية".

وطالبت ريم بن حليمة، وهي مهاجرة تونسية في مرسيليا جنوب فرنسا بـ" إلغاء التأشيرة" على التونسيين، خاصة وأن تونس لا تفرض على الفرنسيين تأشيرة دخول مماثلة" مشددة على أن "هذا يعد تمييزا عنصريا يضاف إلى التمييس العنصري الذي تعاني منه الجالية التونسية في فرنسا مند السبعينات من القرن الماضي".

وتؤكد بن حليمة "على الرغم من أن فرنسا هي أقرب البلدان الأوروبية لتونس ثقافيا وسياسيا وحتى اجتماعيا، إلا أننا نشعر بالتمييز ولا تتعامل السلطات الفرنسية معنا كمواطنين لنا حقوق وعلينا واجبات وإنما تتعامل معنا كـ "عرب" بما تعني الكلمة من نظرة دونية لا تخلو من الاحتقار.

ووفق الإحصائيات الرسمية يبلغ عدد المهاجرين التونسيين إلى فرنسا أكثر من مليون مهاجر يشغل 90 بالمائة منهم مهنا "وضيعة" يستنكف الفرنسيون على امتهانها مثل حظائر البناء والبستنة والأشغال العمومية وغيرها.

ولا يتردد المهاجرون التونسيون في التأكيد على أنهم "ساهموا إلى حد كبير في بناء فرنسا الحديثة" وأن أجيال من المهاجرين كان لها دور كبير منذ الستينات من القرن الماضي في نحت ملامح فرنسا الحديثة غير أنهم يشعرون بالخيبة لأن السلطات الفرنسية لا تقدر جهدهم بل تعتبرهم خدما لها.

هل هي تأشيرة الجنة؟

وأمام القنصلية الفرنسية بتونس العاصمة قال وسام بن عب الله، وهو مهندس في الأشغال العامة "أقف هنا منذ الصباح الباكر وسط هذا الطابور للتحصل على تأشيرة، إنهم يطلبون منا الكثير من الوثائق أغلبها لا تمت بالتأشيرة بصلة ولكنهم يطلبونها ضمن الملف، إنهم لا يثقون فينا، لذلك يطلبون معطيات شخصية جدا كما لو أنهم لا يريدون منحنا التأشيرة أصلا".

ويضيف بن عبدالله "زرت فرنسا 5 أو 6 مرات، ولديهم كل البيانات حولي ورغم ذلك أضطر في كل مرة إلى تقديم ملف جديد شأني شأن من يتقدم للحصول على تأشيرة لأول مرة، هذا تمييز عنصري لأن تونس لا تفرض على الفرنسيين تأشيرة مماثلة على الرغم من أن المعاملة بالمثل هو من بديهيات العلاقات بين البلدان والدول، إنني أطالب من السلطات الفرنسية بإلغاء التأشيرة لأنها تتناقض مع سياسة فرنسا التي تقول إنها تحترم حقوق الإنسان وفي مقدمتها حرية التنقل".

وتتشدد فرنسا منذ حوالي ثلاث سنوات في منح التونسيين تأشيرة الدخول إلى أراضيها وهي ترجع فرض تشددها إلى الخوف من تسرب عناصر إرهابية.

ودعا التيجاني بن عمر، وهو متقاعد كان يعمل في ديوان التونسيين بالخارج، على "ضرورة أن تكف فرنسا على معاملة تونس كما لو أنها مستعمرة فرنسية وعلى عدم التدخل في الشؤون الداخلي للبلاد باعتبار تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة".

ولاحظ أن "فرنسا تتعامل مع تونس بنظرة فوقية حتى أنها تعتبر ما يحدث في تونس شأنا من شؤونها لذلك ما انفكت تتدخل في عديد المناسبات لعل أهمها التصريحات والبيانات الصادرة عن وزارة الخارجية خلال حكم الرئيس زين العابدين بن علي بشأن المعارضين، وبلغ بها الأمر إلى ممارسة ضغوطات سياسية واقتصادية".

وطالب بن عمر السلطات الفرنسية بكشف الحقيقة كاملة حول اغتيال الزعيم النقابي المعروف فرحات حشاد الذي اغتاله الفرنسيون عام 1952 "إذا كانوا بالفعل يريدون إرساء علاقات ثقة جيدة لا فقط مع حكام تونس الجدد وإنما أيضا مع منظمات المجتمع المدني".

وتقول فوزية بن جدو، ناشطة في الإتلاف اليساري "الجبهة الشعبية" إن "ما يطلبه التونسيون من فرنسا في مثل هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد هو أن تكف عن دعم جماعات الإسلام السياسي التي استفادت كثيرا من دعم واشنطن وأغلب بلدان الإتحاد الأوروبي".

ولاحظت "إن فرنسا مهد الحضارة وعصر الأنوار الذي أشع على أوروبا تناقض نفسها، بل تخون قيمها الحضارية حين تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر جماعات تتبنى فكرا سلفيا يهدد مدنية الدولة وتسامح المجتمع وحرية المرأة".

وتضيف بن جدو "قد نتفهم دعم واشنطن للإسلام السياسي لأنها فارغة من أي عمق حضاري وتسعى إلى خلط الأوراق في المنطقة العربية، ولكننا لا نتفهم دعم أوروبا بضفة عامة لجماعات تحمل مشروعا يهدد من الأساس قيم الحداثة التي أسس لها مفكرون فرنسيون يحظون بتقدير كبير في الأوساط الثقافية التونسية وتدرس أفكارهم ونظرياتهم في الجامعات التونسية".

مستقبل العلاقات رهين الاحترام

ورأى تونسيون وتونسيات أن مستقبل علاقات ببلادهم يبقى رهن احترام باريس لـ"سيادة القرار الوطني واستقلاليته" لأن الشعب التونسي لما قاد الربيع العربي في يناير 2010 لم يستشر لا واشنطن ولا باريس ولا أي دولة عربية، وإنما استشار أبناءه المحرومين في الجهات الداخلية التي تفتقد لأبسط مقومات العيش الكريم وفي الأحياء الشعبية الفقيرة التي تناهز نسبة الفقر فيها أكثر من 57 بالمائة فيما تصف البطالة بأكثر من مليون تونسي.

وشدد منير بلغيث، وهو طالب بالجامعة التونسية على أن "التونسيين يطالبون فرنسا بمعاملة تونس كدولة مستقلة ذات سيادة لا كمستعمرة، فقد استقلت بلادنا عن فرنسا مند العام 1956 لكن فكرة البلاد المستعمرة لم تغادر سياسة فرنسا الخارجية وهو ما يؤكد ما يتعرض له التونسيون من نظرة احتقار تصل إلى حد التمييز العنصري، فالمهاجر التونسي في فرنسا يتعرض إلى شتى أنواع التمييز بما في ذلك التمييز في الأجر إذ أنه يتقاضى أجرا أدنى من الأجر الذي يتقاضاه الفرنسي في نفس المهنة".

وقالت سهام الراجحي، ناشطة في حزب نداء تونس"إن تونس أقرب البلدان العربية لفرنسا سياسيا وثقافيا، ومن مصلحة تونس أن تحظى بدعم باريس في حماية تجربتها الديمقراطية من مخاطر الجماعات الجهادية المسلحة" ملاحظة "أنه في حال فشل التجربة الديمقراطية، لا قدر الله، ستدخل تونس في حرب أهلية تنسف ومن الأساس مؤسسات الدولة والمجتمع ويؤول مصيرها إلى مصير ليبيا".

وترى الراجحي أن دعم باريس لتونس اقتصاديا وأمنيا وعسكريا هو أمر ضروري لأن التحديات التي تواجهها البلاد وخاصة مكافحة الجماعات الجهادية تستوجب جهد إقليمي بل ودولي باعتبار أن ظاهرة الإرهاب ليست ظاهرة تونسية وإنما هي ظاهرة إقليمية ودولية، غير أن الراجحي اشترطت ذلك الدعم بعدم المساس بتفرد التجربة التونسية وأيضا بعدم استخدامه كمنفذ للتدخل في الشأن الوطني، ذلك ان التونسيين يرفضون أي دعم مهما كان مأتاه ومهما كان نوعه إذا كان على حساب حريتهم في تقرير مصير البلاد.