إيران، وليس داعش، هي التهديد الحقيقي

في الوقت الذي ينصب فيه التركيز الدّولي على كيفيّة مواجهة التطرّف المسلّح الذي يقف وراء العديد من الصراعات العنيفة التي تجتاح الشرق الأوسط،، فإن القوّة الحقيقيّة المزعزعة للإستقرار وراعية الإرهاب في المنطقة وما ورائها هي إيران. فخلافاً للمتطرفين الذين يمارسون العنف والمتعصبين الدينيين أمثال تنظيم الدولة الإسلاميّة "داعش" الذين يمكن كسر قوتهم أو حتّى تدميرهم، فإن إيران شيء آخر لا يمكن تطبيق هذا القول عليها. فطهران مستمرّة في تصدير حماسها الثوري بدعم الإرهاب والمنظمات المتطرفة أمثال حماس وحزب الله وتقديم المساعدات الماليّة والعسكريّة المباشرة للميليشيات الشيعيّة المتطرّفة والإبقاء من خلال النشاطات المدمّرة على قبضتها القويّة على العراق وسوريا ولبنان.

وفي محاولةٍ منها لتحويل اليمن إلى دولة أخرى تابعة لإيران في شبه الجزيرة العربيّة، فقد هرعت إيران لاستغلال ذلك البلد الذي مزّقه الحرب من خلال تقديم الدّعم اللوجستي والمال والمعدّات العسكريّة للحوثيين الميّالين للشيعة.

وإيران، التي طموحها أن تصبح القوّة المهيمنة في المنطقة، ترسّخ تدريجيّاً مكاسبها وتتقدّم بثبات نحو تحقيق هدفها القومي بكلّ الوسائل، بما في ذلك استخدام القوّة والتمرّد والإرهاب.

وبالنظر إلى تاريخ إيران الطويل الحافل بالإنجازات العظيمة ومواردها الطبيعيّة وموقعها الجغرافي وشعبها المثقف وإمكانياتها غير المستغلّة بعد، قد يفكّر المرء بأن إيران قد اختارت عرض "القوّة الناعمة" لتحقيق صدارتها الإقليميّة المنشودة. غير أنّ الزمرة الدينيّة الحاكمة في إيران اختارت على أية حال طريقاً مختلفاً لأنها تدرك تقصيراتها وعيوبها كنظام ثوري يفتقر لهويّة وطنيّة معرّفة وكدولة بأغلبيّة شيعيّة ساحقة مشكوك في نواياها وحتّى مُحقّرة من قبل السنّة في المنطقة وما ورائها. أضف إلى ذلك، فبسبب خشيتها من تغيير نظام الحكم وقلقها من معارضة محليّة منظّمة قد تحاول الإطاحة بنظام الحكم، فقد أجزمت الزمرة الدينيّة الحاكمة بأن حماس إيران الثوري هو الطريق الوحيدة لضمان موطئ قدميها في المنطقة.

وبالنظر إلى العداوة المتأصلة وعدم الثقة ما بين الشيعة والسنّة التي انتعشت في صحوة حرب العراق عام 2003، تدرك الزمرة الحاكمة بأنها ستُرفض من قبل العالم العربي وأنّ صنف ثورتهم لن يكون مقبولاً. وهذا يفسّر أيضاً، باتفاقيّة نهائيّة حول برنامجها النووي أو بدونها، سبب بقاء إيران ملتزمةً بحيازة الأسلحة النوويّة لردع قوىً أخرى من مهاجمتها ولكي تصبح أيضاً في مكانةٍ تسمح لها بإخضاع دول أخرى في المنطقة.

أضف إلى ذلك، ونظراً لرغبة إيران في تشتيت انتباه المجتمع الدولي عن أذاها للآخرين، فقد فاقمت بشكلٍ منهجيّ النزاعات الإقليميّة ليس فقط في جوارها المباشر (البحرين، اليمن) بل أيضاً أبعد من ذلك، وبالأخصّ النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني.

وباختصار، فبالرغم من المصاعب الإقتصاديّة والضغوطات المحليّة والدوليّة، فقد سلب النظام الإيراني موارد البلد البشريّة والماديّة في محاولته أن يصبح القوة الإقليميّة المهيمنة. ولذا لن تتوقف طهران بكلّ بساطة عن استغلال أية فرصة واستخدام الوسائل البشعة لتحقيق أهدافها، هذا إلاّ إذا ووجهت أو اصطدمت بقوى رئيسيّة في المنطقة وخارجها.

ولفهم المدى الذي من الممكن أن تخطوه إيران، فإن دستورها يفصح عن كلّ شي. تقول مقدّمة الدستور بأن إيران "ستمهّد الطريق لاستمرار الثورة الإسلاميّة داخل وخارج البلد…وتسعى لوضع الأساس لخلق أمة عالمٍ واحد… وسيؤتمن الجيش ليس فقط بمهمة حماية حدودنا، بل أيضاً برسالة عقائديّة… الجهاد باسم الله والعالم".

وبالرّغم من حماس الرئيس أوباما المثير للإعجاب لمنع إيران من حيازة أسلحة نوويّة، فإن حقيقة أنّ "المعالم (البارامترات) لخطة عمل شاملة مشتركة" بخصوص برنامج إيران النووي التي تمّ التوقيع عليها في لوزان بسويسرا لم ترتبط بسلوك إيران التهديدي هو أمرٌ مزعج حيث أنّ إيران ستستمرّ في تغذية الإضطرابات العنيفة في المنطقة.

من المفهوم أنّه بسبب المعارضة المحليّة والإعتزاز القومي وما يمكن تفسيره بأنه اعتراف غير مباشر بنشاطاتها الهدّامة، فقد رفضت طهران وبعناد الرّبط ما بين تخفيف العقوبات وأي شيء آخر عدا البرنامج النووي. وعليه، فلا يجوز لإيران كسب الأمرين. وليس هناك وقت أفضل للولايات المتحدة للإصرار وبكلّ هدوء بأن نطاق وسرعة تخفيف العقوبات ستكون مرتبطةً ليس فقط بإذعان إيران لشروط الإتفاقيّة، وإنما أيضاً بسلوكها.

والدّول العربيّة التي أعلنت حديثاً عن إنشاء قوّة عسكريّة عربيّة موحّدة يجب الآن إظهار مقدرتها على تشكيل قوّات عسكريّة صلبة جاهزة للقتال ومجهزة بأحدث المعدات والتجهيزات العسكريّة التي من الممكن عرضها في أي مكان للتعامل مع أيّ تهديد في الشرق الأوسط. وإيران ستأخذ مثل هذه القوّة العسكريّة بجديّة فقط إذا أظهرت القيادة المشتركة العزم والمصداقيّة على التصدّي لأي عدوّ، بما في ذلك إيران، لمنع انتهاكات داخل الأراضي العربيّة.

والمملكة العربيّة السعوديّة المنشغلة الآن في حرب بالوكالة ضدّ إيران في كلا البلدين، سوريا والعراق، قامت بتحرّك استراتيجي في غاية الأهميّة بقصف تجمعات ومخيّمات الحوثيين في اليمن. هذا كان ضروريّاً وفي الوقت المناسب جدّاً لإرسال تحذير واضح لإيران بأن الدّول العربيّة لن تتسامح بعد الآن مع اعتداءاتها المتواصلة وعازمة على إيقافها.

أمّا بالنسبة للإتحاد الأوروبي المتلهّف على مواصلة التجارة مع إيران، فبمجرّد إتمام الإتفاقيّة حول برنامج إيران النووي عليه هو الآخر أن يربط العقود التجاريّة المستقبليّة والمشتريات ونقل النفط والغاز الإيراني بسلوك إيران. يجب على الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أن تصرّان بأن تقوم إيران، التي لها نفوذ هائل على نظام الأسد، بتعديل موقفها في سوريا ولعب دوراً بنّاء للمساعدة في التوصّل لحلّ سياسي لإنهاء الحرب الأهليّة المأساويّة. وبإمكان إيران، كونها جزءاً من الحلّ، أن تحافظ على نفوذها في سوريا، لا بل قد تقوّيه.

ونظراً لأن لديهما مصالح استراتيجيّة مشتركة في مراقبة تدخّل إيران الإقليمي وتسللها إلى المنطقة وتثليم جهودها الرامية لحيازة أسلحة نوويّة، ينبغي على إسرائيل والدّول العربيّة أن تستمرّ في التشارك الإستخباراتي وحتّى التعاون معاً في حالة تعرضهما للتهديد المباشر من قبل إيران.

قد تشجّع الصفقة النوويّة في الواقع إيران على الإستمرار في نشاطاتها الهدّامة، غير أنّه بإمكانها أيضاً أن تسمح لإيران بفتح صفحة جديدة في علاقاتها مع المجتمع الدولي واستغلال مواردها البشريّة والماديّة الهائلة لكي تصبح لاعباً بنّاءً على الساحة الدوليّة.