إرث بورقيبة سلاح الأحزاب العلمانية في مواجهة الإسلاميين

وضع تونس على أرضية حداثية صلبة

لا يزال زعيم تونس التاريخي الحبيب بورقيبة، الذي توفي في مثل هذا اليوم 6 أبريل/نيسان العام 2000، حضرا بقوة ليس في الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي فقط بل وأيضا في الخيارات السياسية والاجتماعية لدى الأحزاب العلمانية التونسية التي "طوعت" الفكر البورقيبي إلى سلاح سياسي في مواجهة الجماعات الإسلامية التي تسعى لاستهداف دولة مدنية ومجتمع مشدود إلى قيم الحداثة والانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات، وهي قيم ناضلت من أجلها أجيال من المصلحين والمفكرين والفقهاء المستنيرين منذ منتصف القرن التاسع عشر.

تزعم الحبيب بورقيبة منذ العشرينات من القرن العشرين حركة التحرر الوطني وخاض معارك شرسة مع القوى الزيتونية التقليدية التي كثيرا ما حملها مسؤولية "تخلف المجتمع". واضطر العام 1932 لتأسيس الحزب الاشتراكي الدستور بمعية نخبة من السياسيين والمثقفين الدين استماتوا في الدفاع لا فقط عن استقلال البلاد، وإنما أيضا في الدفاع عن دولة تونسية مدنية حرة وذات سيادة ومجتمع تونسي تحكمه قيم المواطنة.

ومنذ استقلال تونس عن الاستعمار الفرنسي العام 1956، قاد بورقيبة مشروعا وطنيا ينتصر لدولة المواطنة المدنية وسيادة تونس على ترابها. فأعلن النظام الجمهوري وإلغاء الحكم الوراثي ليقود واحدة من التجارب العربية الأكثر جرأة تنتصر لفكرة "الوطنية التونسية" على الرغم من أن المناخ السياسي العربي تهيمن عليه في الستينات الأفكار العروبية.

وبدا بورقيبة وسط ذلك المناخ زعيما وطنيا، متحديا بشجاعة الرأي العام العربي الذي كان متشبثا بالقومية العربية، فأسس مؤسسات دولة وطنية مدنية شملت المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية، وقاد بمشقة برنامجا تنمويا وسياسيا اعتمد بالخصوص على توحيد نظام التعليم وإجباريته وخطط اجتماعية لتحرير التونسيين من تركة الموروث التقليدي وفي مقدمتها حرية المرأة، إضافة إلى برامج صحية وتنموية نجحت في تحقيق عديد المكاسب للتونسيين.

ولد الحبيب بورقيبة بمدينة المنستير الساحلية في 3 أوت 1903 من عائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، وكان أصغر أبناء الأسرة التي تألفت من ثمانية إخوة وأخوات. وقد تلقّى تعليمه الثانوي بالمعهد الصادقي ثم معهد كارنو بتونس، قبل أن يسافر إلى باريس حيث تابع دراسته في كلية الحقوق والعلوم السياسية أين تحصل على الإجازة في الحقوق سنة 1927 ليعود بعد ذلك إلى تونس ويمارس مهنة المحاماة، ويخوض مرحلة النضال ضد الاستعمار الفرنسي.

خلال فترة الاستقلال تمت كتابة أول دستور للدولة المستقلة في سنة 1959 من خلال المجلس القومي التأسيسي.

ويعتبر تأسيس ركائز تعليم حديث وإقرار مجانيته وإجباريته وتوحيد القضاء وتركيز نظام للصحة العمومية من أبرز انجازات بورقيبة فضلا عن مجلة الأحوال الشخصية الثورية والرائدة في عصرها آنذاك، والتي تم بموجبها إلغاء تعدد الزوجات.

وبعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 عمل السياسيون العلمانيون على \'\'إحياء الإرث البورقيبي\'\' في مواجهة ما اعتبروه مشروع الإسلاميين، الذي رأوا فيه مشروعا يهدف إلى "نسف مؤسسات الدولة المدنية ومكاسبها وفي مقدمتها حرية المرأة" التي كثيرا ما اعتبرها بورقيبة عنوان الحداثة.

وجاء تأسيس حزب "نداء تونس" من قبل الباجي قائدالسبسي العام 2012 ليكون "قوة معارضة" لحركة النهضة الإسلامية وليعيد للمشهد السياسي توازنه بعد حالة من الاختلال دفعت بتونس إلى أزمة حادة.

عودة للمشروع الوطني

وخلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في خريف 2014 اختار التونسيون التصويت لحزب نداء تونس ومؤسسه قائدالسبسي، في خطوة سياسية وصفها المحللون والمراقبون بأنها "عملية تصويت لبورقيبة وللبورقيبية" ما بدا وكأنه عودة للمشروع الوطني الذي تهدده جماعات الإسلام السياسي، ولا ترى فيه سوى مشروع علماني.

ولعله من الدلالة السياسية أن أكثر من مليون امرأة تونسية منحت صوتها لقائدالسبسي الذي قدم نفسه حاملا لمشروع بورقيبة وحاميا لحرية المرأة تحت ضغط تزايد الجماعات الإسلامية.

خلال عامي 2012 و2013، فرضت الأحداث التي مرت بها تونس التي تقود الربيع العربي نوعا من الاستقطاب السياسي الثنائي، يقود تياره الأول الإسلام السياسي فيما يقود تياره الثاني حزب "نداء تونس" بزعامة رجل بورقيبة القوي الباجي قائدالسبسي.

وبدا المشهد السياسي في تلك الفترة مشهدا "متوترا" و"متشنجا" تتنازعه "أفكار" الحركات الإسلامية و"أفكار" زعيم تونس التاريخي وأب الاستقلال الحبيب بورقيبة الذي أطلق منذ بداية منتصف الخمسينات من القرن العشرين مشروعا حداثيا يقوم على مفهوم "الدولة الأمة" التي لا تستنكف من استعداء "دولة القصاص وإقامة الحدود".

حين عاد راشد الغنوشي إلى تونس بعد عشرين سنة من منفاه في لندن يوم 31 جانفي/يناير 2011 لم يكن يتوقع أنه سيفاجأ بوجود الزعيم بورقيبة حيا في وعي وأذهان شباب لم يعايش الحقبة البورقيبية، إضافة إلى قطاعات واسعة من التونسيين وفي مقدمتهم الطبقة السياسية.

يومها كان الشباب يستمتع بمقاطع فيديو من خطب مؤثرة للزعيم من خلال مواقع شبكات التواصل الاجتماعي وكذلك عبر الهواتف النقالة التي نقلت إليهم أفكار بورقيبة حول "فرحة الحياة" و"الحق في التنمية" و"تعميم التعليم" و"حرية المرأة" و"مكانة تونس الحديثة بين الأمم" و"الكفاح من أجل مستقبل أفضل" الذي يطلق عليه أب الاستقلال مفهوم "الجهاد الأكبر".

كانت الصدمة من القوة ما جعل الإسلام السياسي الذي يعيش حالة اغتراب قاسية في بلد مشدود إلى اللبيرالية والانفتاح السياسي والاجتماعي يهرب إلى الأمام باتجاه إطلاق "الحرية" أمام الجماعات السلفية التي "تكفر" بالزعيم بورقيبة وبمشروعه الحداثي.

لكن بورقيبة الزعيم الميت/الحي، نغص على الإسلاميين فرحتهم بسقوط نظام بن علي منذ أن تولى وزير خارجيته وأقرب المقربين إليه قائدالسبسي رئاسة الحكومة في 27 فيفري/فبراير 2011، مشددا على أنه "لا مجال للتفريط في مكاسب دولة الاستقلال ولا مجال للاستخفاف بهيبة الدولة ولا باستهدافها".

بل إن قائدالسبسي لم يتردد في أول خطاب له ألقاه بمناسبة توليه رئاسة الحكومة في توجيه رسالة قاسية إلى راشد الغنوشي واصفا إياه بأنه "رجل من الأرشيف"، وأنه سبق له وان ردد "ثقتي في الله وفي بن علي"، في إشارة إلى أنه قادر على فضح "مزايدات الإسلام السياسي" على الثورة التونسية وعلى البورقيبيين، الذين يعرفون في تونس بـ"الدستوريين".

وقاد الفكر البورقيبي عبر قائدالسبسي، حكومة نجحت في تنظيم أول انتخابات ديمقراطية في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وفازت بها حركة النهضة بنسبة 32 بالمئة، وبدت العملية وكأن عدو الإسلاميين يلقنهم درسا في السياسة وحسن إدارة الشأن العام وفي الديمقراطية، بعيدا عن الانتهازية والديماغوجيا.

ويقول حكماء تونس وسياسيوها بما في ذلك الخصوم "إن بورقيبة لم يكن ديمقراطيا بالمقاييس الحديثة للديمقراطية، ولم يكن دكتاتورا بالمقايسس الحديثة للدكتاتورية، رغم ذلك كان زعيما وطنيا مستبدا مستنيرا في الآن ذاته".

ويكتفي الإسلاميون بالقول "إن بورقيبة عدوا للإسلام".

مؤسس دولة المواطنة مايزال حيا

غير أن ما يجهله الإسلاميون أو يتجاهلونه، هو أن أب الاستقلال ومؤسس دولة المواطنة مازال حيا في الذاكرة الجماعية للتونسيين لا فقط في ذاكرة الذين عايشوا حقبة نظامه التي امتدت من عام 1956 إلى عام 1987 بل أيضا في ذاكرة الشباب الذي لم يعايش تلك الفترة.

أما التونسيون فإنهم يفتخرون بأن بورقيبة هو الذي قاد مشروعا وطنيا حداثيا يكاد يكون هو الأول من نوعه في العام العربي بعد أن ألغى النظام الملكي وأعلن قيام النظام الجمهوري واستصدر دستورا عصريا وقانونا للأحوال الشخصية يكفل حرية المرأة وأرسى نظاما للتعليم تخرجت منه آلاف الكوادر في مختلف الاختصاصات العلمية تمثل اليوم نخبة مستنيرة في المجتمع التونسي.

ونجح الزعيم بورقيبة في تحييد الدين عن السياسة وإدارة الشأن العام اقتناعا منه بأن "الإيمان علاقة روحية بين الإنسان والله أما السياسية فهي علاقة بين الحاكم والمحكومين، فالدين ثابت من ثوابت الهوية للشعب أما السياسة فهي طريقة متغيرة تتعلق بالدولة والمجتمع"، على حد تعبيره.

ويبدو أن نجاح الرجل الذي كثيرا ما كان يردد أن مشروعه يهدف إلى "بث فرحة الحياة" لدى مختلف فئات المجتمع، بـ"علمنة الدولة وثقافة المجتمع" من جهة وبـ"تحييد المساجد وفقهائها" عن العمل السياسي، يبدو أن هذا النجاح هو الذي يؤرق الإسلام الجهادي الذي يمجد الموت.

ويرجع المتابعون للشأن التونسي تصاعد نشاط الجماعات السلفية وما رافقها من أحداث عنف راح ضحيتها عشرات القتلى إلى "نوع من الانتكاسة" للمشروع الوطني الذي ناضل من أجله مصلحون تونسيون كبار، كثيرا ما رفضوا "الإسلام الوهابي الخليجي".

وعلى الرغم من اقتناع النخب السياسية والفكرية التونسية بأن "تونس البورقيبية تقف على أرضية حداثية صلبة" إلا أنهم لا يترددون في إطلاق صيحات فزع من "خطر الإسلام الجهادي على مكاسب دولة الاستقلال".

وتقول هذه النخب إن الإسلام الجهادي يسعى إلى "تدمير دولة الاستقلال ومؤسساتها ومكاسبها" تحت عنوان "تحقيق أهداف الثورة".

وتضيف "إن الاستخفاف بهيبة الدولة لا يعني سوى نخرها" في إطار مشروع ديني يرفض جملة وتفصيلا المشروع الذي كان أطلقه الزعيم بورقيبة والذي يتبناه غالبية التونسيون رغم عديد المؤاخذات عليه.

فقد حذر زعيم الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي أكثر من مرة من "نزعة الإسلاميين إلى الهيمنة على مفاصل الدولة"، مطالبا بالفصل بين "أي حزب يتولى الحكم ومؤسسات الدولة".

واعتبر زعيم الحزب الاشتراكي محمد الكيلاني أن ما حدث في خلال السنوات الأربع الماضية "هو نوع من الانتقام من بورقيبة على حساب الشعب"، ملاحظا أن "الإسلام السياسي حول وجهة الثورة ضد الاستبداد إلى ثورة ضد مكاسب دولة الاستقلال من دولة مواطنة مدنية وتسامح وحداثة وحرية المرأة".

لم تكن أعين البورقيبيين بنائمة عن مشروع الإسلام السياسي إذ نشطوا خلال العامين الأخيرين في ما يشبه "الانتفاضة السياسية" ضد مشروع يقولون إنه سيعود بتونس إلى ظلمات القرون الوسطى.

وقاد الانتفاضة السياسية البورقيبية الباجي قائدالسبسي وأسس حزب "نداء تونس" الذي يستلهم من أفكار زعيم تونس التاريخي مرجعيته الإصلاحية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

وجاء تأسيس حزب "نداء تونس" انتصارا وإحياء لأفكار بورقيبة بعد أن اقتنع الدستوريون بأن "الإسلاميين يقودون تونس إلى الهاوية"، وأن هناك مسافة تاريخية وسياسية وفكرية قدرها 14 قرنا.

ومنذ العام 2012 نجح قائدالسبسي في بناء قوة سياسية تستقطب أكثر من 20 ألف ناشط سياسي موزعين في مختلف جهات البلاد الأمر الذي أربك الجماعات الإسلامية التي ترى في "نداء تونس" عودة لمشروع بورقيبة الذي تمقته و"تجاهد" من أجل "فسخه" من أذهان التونسيين.

تحت السطوة السياسية لعودة البورقيبية، تصدر قائدالسبسي قائمة السياسيين الذين يحضون بثقة التونسيين من جهة، وتحت صدمة تراجع شعبية الإسلام السياسي، استفاقت حركة النهضة الحاكمة من هزيمة انتخابية برلمانية ورئاسية ما بدا مؤشرا قويا على أن البورقيبية فكرا وسياسة ما زالت حاضرة في الثقافة السياسية لأغلبية التونسيين.

وبعد أربع سنوات من الثورة وقف علمانيو تونس خاصة من كان معارضا للزعيم بورقيبة على حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن نجاحهم الشعبي والسياسي مرتبط بمدى تفاعلهم مع إرث بورقيبة السياسي والاجتماعي والثقافي وأنه لا يمكن فهم تونس ما لم يتم فهم فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين، أي الحقبة البورقيبية.