ياسين حزكر: أزمتان تكاد الواحدة منهما تسكت القلب الشعري بالمغرب

نحتاج إلى نقاد جدد

تأهل الشاعر المغربي ياسيـن حزكـر إلى دور التصفيات التمهيدية من برنامج "أمير الشعراء" الذي تنظمه لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية في أبوظبي، في أربعة مواسم هي: الثالث 2009، الرابع 2010، الخامس 2013، وأخيرا الموسم السادس 2015 الذي تجري الآن منافسات شعرائه للفوز باللقب. وفضلا عن كونه شاعرا متميزا فهو باحث متخصص في ميدان الأدب والشعر العربي عموما والأدب والشعر المغربي خاصة، وفي تاريخ الأندلس المغرب من الناحية الحضارية والثقافية والسياسية. مؤلف وسيناريست أفلام ومسرحيات وبرامج: وثائقية، إذاعية، تلفزية، سينمائية، متخصص في الأفلام التاريخية والتراثية.

فاز بالجائزة الأولى لمسابقة البردة الدولية في دورتها العاشرة عن صنف الشعر العربي الفصيح يناير/كانون الثاني 2013. وحصل على عدة شهادات تقديرية من جامعة محمد الخامس 2010، وشهادة تقديرية مسلمة من أشغال مهرجان مراكش الشعري الخامس وغيرها. ومن دراساته "أزمة المنهج في دراسة الشعر الأندلسي/السياقات الحضارية والأنساق الأسلوبية" أطروحة دكتوراه وطنية، و"الرؤيا الجمالية في ديوان ترجمان الأشواق للمتصوف ابن عربي.. أبعاد النص وآفاق التلقي".

وفي هذا الحوار نتعرف على عالمه الشعري رؤاه وأفكاره.

بداية أكد حزكر أن تجربته الشعرية "تولد وتتطور مع كل قصيدة جديدة؛ فهي اشتعال واشتغال فينيقي.. تنبعث من اللاشيء، فأقبضها جمرة وتذروني رمادا.. وهكذا دواليك.. أكاد أجزم وأنا أشتغل في الحقلين النقدي والابداعي، أن التطور الحقيقي لا يكون من ديوان لديوان بل من قصيدة ولقصيدة وذروته أن يصير من بيت لآخر".

ورأى أن "الأنا" هي معبد الكتابة.. والذي لا ينطلق منها لينفتحَ على باقي الضمائر النحوية/البشرية فهو واهم. فمن الذات أمتح كل صوري وتراكيبي ودلالاتي ورموزي الدينية والثقافية والحضارية. وفي برجيَ العاجي أصهرها، أهصرها وأعتصرها في بياض الورق.

المشكل أن هناك من الشعراء من لا يستطيع التخلص من أناهُ في الواقع؛ فيتعامل مع الناس بتكبر وخيلاء، وكأنه كائن فوقي، الأنا في نظري هي لحظة ورقية لا يجب أن تؤثر في حياة الشاعر وتجعل منه متكبرا. يجب على الشاعر أن يعيش متواضعا بين الناس ومتكبرا في الكتابة.

وحيّا الشاعر المغربي المثقف الراحل محمد أبوخلف المزروعي الذي انطلقت "مسابقة أمير الشعراء" بناء على رؤيته في دعم حركة الشعر العربي في لحظتها الراهنة، وقال "لقد كانت رؤية المرحوم محمد خلف المزروعي لهذه المسابقة رؤية واعدة واستباقية تضمن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجسد المتهالك للشعر العربي، وتعيد بعثه وترميمه. "أمير الشعراء" أكثر وأكبر من مسابقة، هو في الحقيقة أوكسجين الشعر في العصر الحالي".

وأشار إلى أن "القصيدة الكلاسيكية أو الخليلية هي قصيدة متجددة بطبعها؛ أوزانها تتأقلم مع إيقاعات العصر المطردة. والدليل على أنها حية لا تموت هو عدد الشعراء الهائل والكبير من الذين يكتبونها مع ما في عصرنا من توجهات حداثية وفنية أكثر إغراء أقل شأنا".

وعن رأيه في المشهد الشعر العربي والتفاعلات القائمة بين أشكال القصيدة من عمودية وتفعيلية ونثرية، قال "المشهد الشعري ما زال متوترا.. وذلك لاختلاف الحساسيات الشعرية والانتماءات الايديولوجية. يمكن اعتبار قصيدة التفعيلة شكلا من أشكال تطور القصيدة العمودية، لكن في المقابل لا يمكن اعتبار "قصيدة" النثر تطورا لهما. وقد اتفق النقاد العرب القدامى على أن الشاعر يأتي بالمعنى نثرا ويحوله شعرا من خلال تكثيف اللغة وتجويد المعنى وحسن اختيار الوزن والقافية والروي؛ في شكل تناسبات جمالية يطرقها الشاعر بوعي أو بغير وعي. إذن؛ ما الجميل في أن آتي بالمعنى نثرا وأطرحه نثرا في قصيدة النثر؛ هذا لا ليس تطورا هذا تخلف ورجوع إلى مرحلة ما قبل الابداع".

أما عن المشهد الشعري وتفاعلاته في المغرب فأكد ياسيـن حزكـر أن "المغرب الأقصى شاعري ببحريه؛ المتوسط والمحيط. وجباله العالية وطبيعته المتنوعة وحضارته المتلونة. كل هذه الأشياء تفترض فيه أن يكون بلدا شاعرا؛ إلا أنه يعاني أزمتين تكاد الواحدة منهما تسكت قلبه الشعري قبل الأخرى؛ أزمة مركزية الابداع المشرقي وهامشية الابداع المغربي، هذه الأزمة التي لا يزال المشرق يلهث بها منذ قرون ويرفض على إثرها الاستماع للأصوات الشعرية المغربية.

أما الأزمة الثانية فهي داخلية؛ وتتجلى في توجه وزارة الثقافة المغربية نحو تمويل التظاهرات الغنائية والفنية أكثر من اهتمامها بالشعر. المبدع في بلدي هو المغني والراقص والممثل والمسرحي، وليس الشاعر. والدليل هو أن جائزة اتحاد كتاب المغرب لا تتعدى قيمتها المالية خمسمائة دولار أميركي. والدليل كذلك هو أن آخر جائزة نظمتها وزارة الثقافة انتهت بفضيحة مدوية وحجبت بسبب تسريب نتائجها للمشاركين.

ولفت إلى أن حركة النقد العربي تعاني من الشللية؛ "الناقد لا يحرك قلمه في الأغلب إلا مجاملة لبعض المتشاعرين. وفي أحسن الأحوال تجد النقاد الحقيقيين يشتغلون بنقد أشعار شعراء رحلوا من زمن طويل، وبين هذا وذاك يبقى الشاعر الحقيقي منفيا ومهمشا لا يهتم له أحد. نحتاج إلى نقاد جدد يبحثون عن المغمور وينتقدونه بكل حياد.. فأين هم؟".