'غرفة في جبل شحشبو' .. تأملات في خيبات الثورة السورية

مادة الكتاب حية، والأحداث حقيقية

عندما علم ليث، وهو أحد الناجين من مجزرة القبير في ريف حماة، أن صحافياً أميركياً يرافق المحرر، قال الخمسيني لهما: "أسألكم الله أن تذهبوا وتتركونا بحالنا. لقد انقطع نسل القرية كلها، ولم يبق إلا نحن".

كان ذنب أهالي القبير المذبوحين أنهم استقبلوا قائداً من الثوار اسمه أبوحسن، دون أن يشاركوا في أي مظهر من مظاهر الثورة على النظام.

حدث ذلك يومين بعد المجزرة التي حدثت صباح الأربعاء في 6 يونيو/حزيران 2012، حين قتلت شبيحة قرى: المحروسة – أصيلة – تل سكين – الصفصافية، ثمانين من سكان القبير البالغ عددهم 130 نسمة فقط، وهم من البدو المربين للأغنام في المنطقة. نجا من المجزرة 40 شاباً يعملون في لبنان، وستة آخرون كانوا يرعون أغنامهم وقت وقوع المجزرة.

مادة الكتاب الذي نعرض له هنا "غرفة في جبل شحشبو" (148 صفحة، إصدار خاص، اسطنبول 2014)، لمؤلفه مصعب الحمادي، تدل في العموم على شخصية الصحافي المتمرس، وتحديداً في مجال الصحافة الاستقصائية، بمعنى أنها مادة ليست وليدة عمل مكتبي، ومصادر ومراجع وتصريحات، بل معايشة يومية للحدث، أو اتصالاً مباشراً بصانع الحدث من الناس ما بين محافظتي حماة وإدلب، منذ الأيام الأولى للثورة السورية في مارس/آذار 2011، وحتى إصدار هذا الكتاب في نهايات عام 2014.

عاش مصعب الحمادي حوالي ثلاث سنوات من عمر الثورة في سوريا قبل أن يفر نهاية عام 2013 هرباً من داعش وجبهة النصرة، بعد تهديدات مباشرة تمس حياته وحياة عائلته.

قبل ذلك، وجد مصعب نفسه صحافياً ينقل الوقائع لوسائل إعلام عربية وأجنبية، بعد تجربة قصيرة كعنصر غير مقاتل في كتائب الفاروق في حماة.

الوقائع التي ينقلها الكتاب على تماس مباشر بالحدث، من قلب المعارك بين النظام والكتائب المختلفة، بل وبين الكتائب المتكالبة نفسها، عندما تحولت إلى عصابات خطف، أو محاكم تفتيش.

يثير الكتاب الفضول ابتداء من عنوانه، وصورة غلافه. ففي صورة الغلاف، نجد شبح الحمادي بالأسود يدير ظهره لسهل الغاب من داخل بوابة سوداء مقنطرة، بينما يبدو السهل زاخراً بالخضرة الممتدة من الأرض إلى أفق شديد الصفاء على عكس ما نعرفه من الحالة السورية، منذ أكثر من أربع سنوات، وإلى أجل لا يعلمه إلا الراسخون في التنجيم.

والعنوان "غرفة في جبل شحشبو" اسم يصلح لرواية ربما. وهنالك ما يثير للبحث عن معنى الكلمة بالعربية، وهي غالباً كلمة سريانية – آرامية، شأن معظم أسماء المدن والقرى التي استمرت حية على ألسنة الناس بالرغم من سيادة اللغة العربية بعد دخول الإسلام إلى سوريا الطبيعية قبل أكثر من 1400 سنة، ودون أن ننسى أن العربية شقيقة للغات السامية الأخرى.

يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" أن شحشبو (بفتح أوله، وسكون ثانيه، وشين معجمة أخرى مفتوحة، وباء موحدة): من قرى أفامية يقال بها قبر الإسكندر، ويقال أمعاؤه هناك وجثته بمنارة الإسكندرية، والأكثرون على أنه مات ببابل بأرض العراق.

يقع جبل شحشبو في أقصى شمال غرب محافظة حماة، ويشكل النهاية الطبيعية لجبل الزاوية في إدلب. وأما الغرفة التي يقصدها الحمادي فهي ربما مغارة طبيعية في أعالي الجبل لجأ إليها حفنة من أبناء محافظتي إدلب وحماة ممن تجرأوا على الخروج بمظاهرات في وجه أعتى نظام في العالم.

لم يمارس مصعب الحمادي (حماة 1981) الصحافة قبل الثورة، هو المجاز في اللغة الإنكليزية من جامعة دمشق، والحائز على دبلوم الدراسات الأدبية من جامعة حمص، وشهادة في العلوم السياسية من جامعة سيراكيوز في نيويورك. ويميل فيما قدمه إلى حال الناس الذين لم يملكوا سلاحاً، أو صوتاً، قبل الثورة، أو بعدها. هم فقط اكتشفوا في الأشهر الأولى أن حبالهم الصوتية لا تزال قادرة على التصويت.

ينقل الحمادي أن "علو" هو أول من هتف "الشعب يريد إسقاط النظام" في حماة. وأن علو قام عند وصول قائد الجيش السوري الحر، العقيد رياض الأسعد، منشقاً عن جيش النظام، باستدانة حذاء من محل لبيع الأحذية، وقدمه هدية للأسعد بدلاً من حذائه العسكري.

يقول الحمادي: علو يقبع في سجون الأسد منذ سنتين، أما الأسعد فما عاد يحتاج حذاء بعد أن بُترت ساقاه في محاولة اغتيال بعبوة ناسفة في سيارته.

ما يقدمه الحمادي يصل إلى حد اليقين، كونه وليد معايشة مباشرة، أو شاهد عيان، غير أنه يترك مجالاً للشك في بعض الأخبار "يقول كثير من المقاتلين أن داعمي الجيش الحر يشترطون عند تقديم السلاح مكان استخدامه، والمناطق التي يجب تفاديها، كالمدن المسيحية التي يتحصن فيها النظام بترسانات عسكرية ضخمة، إضافة للأرياف العلوية غرب إدلب وحماة، التي لو حاول الثوار اجتياحها لزلزلوا قلوب ضباط الأسد المرتاحين في ثكناتهم في دمشق، وغيرها".

كما يضع نفسه طرفاً ناقداً في بعض ما ينقل من قصص، ومحللاً، أحياناً. هو منحاز في قصته الصحافية، وبوضوح، لجانب الناس "إن المتأمل لأوضاع الأهالي والحال التي وصلت إليها الثورة في الشمال السوري سيفهم أن الناس صار لديها ألف بشار بدلاً من بشار واحد، وآلاف الدواعش بدلاً من داعش واحد. ولذلك، لا عجب في أنه لو قُيض للدولة الإسلامية الوصول إلى المنطقة من جديد، فسوف يسارع الناس إلى مبايعتها زرافات ووحداناً".

الناس، هناك، في بلاد مصعب الحمادي، حماة الشهيرة، وإدلب القريبة، وسوريا كلها، لم تقصد استبدال دكتاتور "علماني"، بدكتاتور "إسلاموي"، غير أن الجهل العام، بين البسطاء، وبين المتذاكين، هو نفسه الذي يتمتع به العلمانيون اليساريون في الفئات المثقفة، وكل ذلك نتاج تطور تاريخي طبيعي سمته البطء. وللدكتاتور "الفضل" في الحد من هذا التطور الذي أنتج ثورة تحمل في ثناياها بذور إعاقة تقدمها. وعلى الرغم من ذلك، يبدو وعي السوريين بما آل إليه حالهم بعد الثورة مشوباً بشيء من التشاؤم لا يصل إلى حد اليأس، فالثورة لا تزال مستمرة، وهنالك يقين أن الزمن المتطاول سينصف الناس البسطاء، وليس تجار السلاح والسياسة.

ربما لو كان الحمادي محترفاً، ويمتلك الوقت الكافي، كان قدم كتاباً ستغدو مادته الصحفية دروساً توجيهية لمن يريد تعلم كيفية كتابة قصة صحفية، إذ شكا الكتاب من كثرة الأخطاء اللغوية، التي كان يمكن تجاوزها بقليل من الجهد، أو باستشارة لغوي متخصص.

مع ذلك، لا تشكل الأخطاء مقتلاً ما دامت مادة الكتاب حية، والأحداث حقيقية. وهذا، أغلب الظن، ما جعل وسائل إعلام أميركية تثق بما قدمه لها الحمادي، وخاصة لجهة انتقاد الثوار، والإسلامويين منهم خاصة.