رقعة شطرنج بحجم الوطن

من عبقرية الفن

عقد الشيخ على الطنطاوي، فصلا شائقا للعبة الشطرنج في كتابه "صفحات في الثقافة والأدب" يقول فيه:

"الشطرنج يعلم صاحبه الفكر والتدبير، ولكنه إذا زاد في الاشتغال به، صار موسوسا ودخله الهوس، لذلك اشترط الفقهاء الذين قالوا بجوازه ألا يشغل عن واجب، ولا يؤدي إلى محظور، ولا يبالغ فيه حتى يكون هم اللاعب وشغله الشاغل".

لكنه أورد في النهاية قصة تنتزع الدموع من المآقي قسرا. قصة تتعلق بالوطن حين ينهار، ويصبح لقمة سائغة لأعدائه!

ما علاقة ذلك بالشطرنج؟

مهلا، لنبدأ أولا بطرائف الشطرنج المسمى لعبة الملوك!

يقول المؤلف إن العرب تفوقوا فيه إلى درجة غير مسبوقة، ووصل الأمر ببعضهم أن يلعب موليا ظهره للرقعة!

وكان اللاعبان يتخيلان رقعة الشطرنج والقطع، وهما في البيداء على ظهور الإبل، ويؤديان الدور بكل براعة!

ونبغ فيها جماعة، منهم أبو القاسم التوزي الشطرنجي الذي وصفه ابن الرومي بقوله:

غُلِطَ الناسُ لستَ تَلْعَبُ بالشِّطـْ ** رَنجِ، لكن بـأَنـفُسِ الـلُّعَباءِ

لَكَ مَكْرٌ يَدبُّ في القوم أخْفَى ** من دَبيب الغذاءِ في الأعضاءِ

أما القصة القاسية، فقد حدثت في الأندلس أيام ملوك الطوائف المتناحرين.

في ذلك الوقت تجرأ الجيش الاسباني، فهاجم بلاد المسلمين بلا هوادة! وسير الفونس جحافله، ضد مملكة ابن عباد الشاعر، وكان وزيره الشاعر ابن عمار.

لم يكن لدى ابن عمار طاقة بالاسبان. فالقوة ضاعت، والهيبة اندثرت!

ماذا يفعل وهو الشاعر العبقري؟

لا مفر سوى استخدام الحيلة!

كان لاعبا لا يبارى في الشطرنج، طار صيته في البلاد حتى صار معجزة كبرى. ليستغل موهبته تلك لإنقاذ وطنه!

صنع رقعة نادرة المثال وتأنق فيها. جعل قطع اللعب من الأبنوس والصندل والعود الرطب، وحلاها بالذهب والجواهر، ووضع فيها من عبقرية الفن، ما جعلها تحفة!

وكان ملك الاسبان ممن يلعب الشطرنج، فوجه إليه ابن عمار رسولا من قبل الملك ابن عباد للتفاوض وحمل معه الرقعة والقطع.

وكانت لابن عمار مكانه أدبية ومنزلة اجتماعية، جعلت الملك يقابله ويبالغ في إكرامه.

تلطف ابن عمار حتى أراه الرقعة والقطع فجن بها!

لم يستطع صبرا وطلب الرقعة على سبيل الهدية، لكن ابن عمار اشترط:

- العب معك عليها، فان غلبتني كانت لك، وان غلبتك كان لي حكمي!

وبالفعل يكتب الملك هذا الشرط ويشهد عليه رجاله وحاشيته.

غلب ابن عمار الملك غلبة ظاهرة ليس عليها مطعن، فقال له: ماذا تطلب؟

قال : ترجع بجيوشك.

قال: هذا لا يكون أبدا.

فأقبل رجاله يقولون: لا يجوز أن يرجع الملك في كلامه وينقض عهدا كتبه، ومازالوا به حتى قبل.

وهكذا صرنا نحارب برقعة شطرنج.