طوائف وملل وجماعات

ليس في وسع المراقب للأزمات المتفجرة التي تعصف بعالمنا العربي والإسلامي علي حد سواء، إلا أن يتسأل: هل نملك فعليا مشروعا للتنويرالثقافي يمكن التعويل عليه من أجل تغيير يعود على المجتمع إيجابيا؟

من جانبي أعتقد أنه سؤال صعب جدا، فهناك من سيقول نعم لدينا مشروع للتنوير والتحديث الثقافي، وهناك من سيعترض، فالجميع والجميع محق من الزاوية التي يرى منها فكرة التنوير الثقافي ومدلولاتها الخاصة، ولكن لابد من الاعتراف بوجود زوايا خاطئة يجب علاجها.

فقبل أكثر من أربعة عقود مضت، كان لدينا شبه مشروع للتنوير الثقافي، كان سيثمر لو ترك في حال سبيله دون إيقاف، فقد كان المجتمع في ذلك الزمن تنمو أغصانه وفروعه نحو كل اتجاه في مكونات الثقافة المجتمعية، ولكنه تعرض للتخريب لصالح مشروع فكري أخر، أنتج مجتمعا مختلفا في طباعه وقيمه، مرتبكا في تقديراته للحياة، متشنجا في بعض ممارساته.

وهذا في ظني يرجع إلي أن الفكرة الوحيدة التي نجحت نجاحا سلبيا في المجتمع، خلال العقود الماضية، هي مشروع سمي بـ"الصحوة الإسلامية"، حيث بدل هذا المشروع كل قيم المجتمع، نحو قيم مرتبكة في ترتيبها وأولوياتها،لأنها كانت مشروعا يعمل فقط في مربع محدد من الثقافة المجتمعية. هذا المربع يمكن تسميته "مربع التشدد" حتى أصبح الفرد في المجتمع غير قادر على تمييز الكثير من المسارات الصحيحة والخاطئة، وقد عاش المجتمع كله ورغما عنه في مربع الصحوة فقط، ولم يكن لديه الكثير من الفرص لتجربة المربعات الأخرى في الثقافة العالمية.

واقع الحال أن مرحلة السبعينيات من القرن الماضي، أفرزت مشروعا مشوها جعل الفرد أمام متناقضات فكرية كبرى سوف أسرد بعضها للتذكير، ولكن قبل ذلك يجب علينا أن نسأل سؤالا آخر يقول: ما الذي جنته فكرة دينية (كالصحوة) من جعل المجتمع المصري أكثر تشددا في ممارساته الدينية؟

لم يكن أحد ليفكر بهذا السؤال، لأن التخمة في هذا النوع من الفكر تشبه الكثير من الأمثلة في واقعنا المعاصر، ولكن للتبسيط يمكننا فهم هذه الفلسفة من خلال هذا السؤال الذي يقول: ما الذي يمكن أن يستفيده مجتمع لديه زيادة في الكليات النظرية تضخ أعدادا من الخريجين أكثر من المطلوب.

من هنا أعتقد أن الأزمة الحقيقية التي يعاني منها مجتمعنا، فضلا عن فشل مشروع التنوير، هي في ضعف إرادة العيش المشترك. فالجميع يتحدث عن التعايش، ولكن القليل من لديه الاستعداد النفسي والاجتماعي لإرادة العيش المشترك. فالتعايش كحقيقة مجتمعية، لا تبنى بالدعوة المجردة إليها، وإنما بتوفير الاستعداد التام لإرادة العيش بين الفرقاء جميعاً في سياق وطني شامل يتجاوز كل العراقيل والموانع. فإذا لم يسع الجميع لأجل توفير إرادة العيش المشترك، لن ينجز مشروع بناء مصر الجديدة شيئا ذا جدوى للوفاء بمتطلبات المستقبل.

وبموازاة ذلك، علينا مواجهة الطوائف والجماعات الإرهابية المستبدة، التي انتشرت في الأمة العربية والإسلامية، وعلت علواً كبيرا وفسادا في المجتمعات، محاولين فرض سلطتهم وسلطانهم على الشعوب، بل وفرض آرائهم وأشخاصهم، ويتربصون للأمة يذبحون ويرهبون، ويقتلون الأبرياء ويحرقون وينهبون المنشآت العامة والخاصة.

ولعل هذا ما يجعلنا اليوم في أشد الحاجة إلى خطاب ديني مستنير وجديد في الحياة، لكي نرجع فيه إلى إسلامنا الصحيح وأهدافه الوسطية النبيلة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية التي شرفنا الله بها.

بالطبع نحن لا نقصر من دور الأزهر الآن، ولكن عليه عبئا كبيرا، وهذا ما يجعلنا نحمله الوِزر الأكبر في تصحيح وتحديث الخطاب الديني.

علينا جميعا أن نعرف أن الخطاب الديني هو مظهر الحياة المتحركة في ديننا ودنيانا، فالخطاب الديني بما يحمل من كلمات تنتقل من قلب إلى قلب ومن فكر إلى فكر، يهتدي بها الناس، وأن يكون ذا قدرة وقوة فذة بما يحمل من أراء واعية قادرة على استثارة أفكار الناس والسمو بمشاعرهم.

وأخيرا.. نحن في حاجه ماسة إلى الخطاب الديني الصحيح الوسطي الذي يغير وجه العالم، وليس الأمة العربية والإسلامية فقط، ولابد أن يصطحب الخطاب الديني المدد من قواعدنا الإسلامية الصحيحة لينشر الأخلاق والعبادة والتعليم والثقافة، بحيث يكون أسوة حسنة معبراً عن الدين الإسلامي ليوضحه للعالم بأسره.