ثقافة الكراهية.. زرعة الإسلام السياسي

الدين عندما يُشهر سلاحاً يترجم بمقاتل

منذ أربعينيات القرن الماضي، ونشطاء الإسلام السياسي وكتّابه، ينشطون في الترويج لثقافة الكراهية، عبر شحن العقول والنفوس بثلاثة أفكار رئيسية تصب في تغذية الرأي العام بكراهية الأنظمة السياسية العربية الحاكمة، وكراهية الحضارة الغربية، وهذه الأفكار هي:

1-الحاكمية: بمعنى أن المجتمعات العربية، المعاصرة والتي يدين أفرادها بالإسلام ويقيمون الفرائض الدينية ويحرصون على المظاهر الإسلامية، غير محكومة بشرع الله تعالى وأن دولها لا تطبق الشريعة -وفق مفهومهم- لأنها تحاكم بقوانين مستوردة من الغرب، ولأن المجالس التشريعية هي التي تقر هذه القوانين في غيبة عن التشريع الرباني.. فهذه المجتمعات لا تستحق صفة «الإسلامية»!

2- إن الأنظمة السياسية الحاكمة، هي «صنيعة الغرب الاستعماري الصليبي»، تنفذ مخططاته وإملاءاته وتحرص على مصالحه طلباً لحمايته لها، كما أنها تقوم بمحاربة الإسلاميين وزجهم في السجون وتعذيبهم، لأنهم يدافعون عن الهوية الدينية في مواجهة الغرب الساعي لعلمنة الدول وتمكين العلمانيين بهدف تغريب المجتمع وتذويب الهوية وإخراج المرأة إلى الشارع!

3- ترسيخ فكرة «أبدية الصراع» مع «الغرب الصليبي»، الإباحي والمادي، والذي يستهدف المسلمين بالفرقة والانقسام ويخطط لتمزيق دولهم ومنع وحدة المسلمين ونهوضهم مرة أخرى لقيادة العالم! فالغرب يخشى وحدة العرب والمسلمين واستعادتهم لأسباب القوة، لأنه لا يستطيع نسيان عقد ورواسب القرون الوسطى! ومن هنا فإن هذا الغرب، المتآمر والمتربص بالمسلمين دائماً، يسعى للتدخل العسكري، واتخاذ قواعد عسكرية، وإنفاذ الغزو الفكري، وفرض العولمة، واستنزاف اقتصادات المسلمين.. إلخ.

تلك هي الأفكار الرئيسية التي أسست لـ«ثقافة الكراهية» في المجتمعات العربية المعاصرة ضد الآخر ومن يتعاون معه، على امتداد عقود. وقد ساعدت على ترويجها الهيمنة الطويلة للإسلام السياسي على منابر التعليم والتوجيه والتثقيف والدعوة. فالطفل في مراحل تعليمه الأولى يشحن ذهنه ووجدانه بكراهية الآخر، فإذا ذهب إلى المسجد استمع إلى الخطيب المحرض على «أعداء الإسلام»، فإذا شاهد الفضائيات، وبخاصة البرامج الدينية وجد الفقيه يحرضه على الغرب قائلاً: انظروا كيف يقتلون المسلمين المجاهدين في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا ونيجيريا.. انصروا الإسلام أيها المسلمون، ثوروا لكرامتكم وكرامة الإسلام ضد الغرب وأميركا!

فكيف لا تترسخ ثقافة الكراهية في نفوس الشباب العربي؟!

اقرأوا واسمعوا ما يقوله بعض الشباب المسلمين الذين يحاولون الالتحاق بتنظيم «داعش»، كلهم يعللون عملهم هذا بأنهم أتوا والتحقوا بالتنظيم لهدف واحد، هو الجهاد لنصرة الإسلام والمسلمين ضد «الظلم الغربي المسيحي»! هذا التعليل تسمعه من جميع من يرتكبون أعمالا إرهابية، سواء في أميركا أو أوروبا أو غيرهما، كلهم يقولون إنهم يريدون الدفاع عن الإسلام ونصرة المسلمين في مواجهة الغرب الظالم وأميركا المعتدية. وبطبيعة الحال فهذه التبريرات كاذبة، لكنها مستقرة في أذهان ونفسيات هؤلاء الشباب، بسبب ترسخ ثقافة الكراهية ضد الغرب في وجدانهم وعقولهم، بعد أن استطاع خطاب الإسلام السياسي أن يصل إلى ديار الغرب عبر نشطائه ومواقعه الإلكترونية التي أصبحت بيئة خصبة لفكر الكراهية.

ومما ساعد على ترويج وترسيخ هذه الثقافة في النفسية الجمعية العربية والإسلامية، غياب «المنهج النقدي» المحصن من الكراهية، عن مقررات التعليم ومنابر التوجيه والتثقيف والدعوة، وعدم وجود رقابة أو ضبط للمنابر الدينية، بل هناك مدارس وجامعات تروج لأفكار الكراهية وتمنح الماجستير والدكتوراة لباحثين عن رسائل تكفر الآخرين المخالفين، كما أن المؤسسات الدينية التقليدية تتحمل جانباً من المسؤولية في إخفاق رسالتها الدعوية والإرشادية والتوعوية، علاوة على أن مقررات «الثقافة الإسلامية» في الجامعات ومقررات «التربية الإسلامية» في المدارس، ليست فاعلة ولا مؤثرة في عملية التحصين وفي غرس ثقافة التسامح والمحبة. وهناك كتباً فقهية تراثية لا زالت تدرس في بعض المعاهد الدينية، وهي تحمل مواقف عدائية من المرأة ومن الآخر غير المسلم، وتتضمن مفاهيم محرفة عن «الولاء والبراء» و«بغض الكفار»، وتركز على حديث «الفرقة الناجية» الذي يرى أن الفرقة الناجية واحدة، كما تعمِّق تعصب أتباع المذاهب ضد بعضهم بعضاً.

تلك إذن بعض العوامل التي تغذي ثقافة الكراهية، كما ذكرتها في ندوات «الإسلام السياسي وثقافة الكراهية»، قام بتنظيمها مركز المزماة للدراسات والبحوث.

عبد الحميد الأنصاري

كاتب قطري

عميد كلية الشريعة في جامعة قطر سابقاُ