منارة الإسكندرية .. مخاطر الفناء واستعادة الماضي العريق

أُقيمت في القرن الثالث قبل الميلاد

تقترب مدينة الإسكندرية من استعادة معالمها التاريخية معلماً تلو الآخر، من المسرح الروماني القديم وعمود السواري، ثم قلعة قايتباي وحديقة الشلالات، ومكتبة الإسكندرية هذا الصرح الثقافي والحضاري، الذي شهد بعثا حضاريا جديدا بين سائر مدن العالم، ولكن وسط هذا الاحتشاد تقف منارة الإسكندرية يتهدّدها خطر الفناء، وتطلب تحرُّكاً عاجلاً من أجل إنقاذها، لتنبعث من جديد واحدة من عجائب الدنيا السبع.

بعد أن تناوَب عليها البحر والإهمال، فكادت تختفي آخر ملامحها في قاع البحر، وهي التي وقفت شامخة في عرض البحر، لترشد السفن الملاحية بشُعلتها التي لا تنطفئ، وارتفاعها الذي يبلغ 400 قدم، كأول منارة في العالم تصل إلى هذا الارتفاع، وقد نالت حظاً من الشُهرة كأحد أهم الآثار العالمية، وتحدث عنها أعظم المؤرخين والرحَّالة في كتبهم ورحلاتهم.

وقد نجح عدد من الغطَّاسين المصريين والفرنسيين – مؤخراً – في اكتشاف كميات هائلة من الآثار، ترجَع إلى العصر الفرعوني والبطلمي واليوناني تحت سطح البحر، في الموقع الذي كانت توجد به المنارة، ولعل ذلك يكون حافزاً للاهتمام بهذا الموقع الأثري الفريد، ودافعاً لبذل الجهود لإعادة الحياة إلى منارة الإسكندرية، قبل أن يبتلعها البحر وتصبح أثراً بعد عَيْنٍ.

ومن المعروف أن، منارة الإسكندرية قد أُقيمت في القرن الثالث قبل الميلاد، على الطرف الشمالي الشرقي من جزيرة فاروس، والتي كانت تقع في مواجهة مدينة الإسكندرية، والتي منها أخذت المنارة أو الفنارة اسمها، ويؤكد مُعظم البحَّارة، أنهم كانوا يشاهدون شُعلة المنارة من بعد 25 ميلاً، ولكن المنارة بدأت تُعاني من خطر الانهيار بسبب عدد من الهزات الأرضية بلغت حوالي تسع هزات، كان آخرها عام 1934، والتي أتت على آخر أجزاء المنارة لتتحوّل إلى أنقاض وعدد كبير من الحجارة المبعثرة، وقد استطاع السلطان الأشرف قايتباي أن يجمع جزءاً كبيراً منها، إلا أن الجزء الأكبر ظل تحت سطح الماء.

وارتفعت مناشدات المثقفين والأثريين مُطالبة بضرورة الاهتمام بعمليات إنقاذ الجزء المتبقي من المنارة وإعادتها إلى الحياة، ولعل أبرز هذه الأصوات هي الحملة التي تبنّتها المخرجة السينمائية أسماء البكري، والتي طالبَت فيها بالوقف الفوري لإلقاء المزيد من الكتل الخرسانية في البحر فوق بقايا منارة الإسكندرية، ونجحت هذه الحملة في لفت أنظار المهتمين بالآثار، ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمَع، ليبدأ التحرُّك في البحث عن وسائل لحماية بقايا المنارة والموقع بشكل عام.

وبناءً على هذه المناشدات، تحركت وزارة الثقافة حيث قام عدد من الغطَّاسين الفرنسيين التابعين لعدد من المؤسسات والهيئات الفرنسية، بالإضافة إلى بعض الغطَّاسين التابعين المصريين بمحاولات عديدة لاستكشاف الموقع، ورغم الصعوبات العديدة التي واجهتهم من عمليات الصرف الصحي في البحر وشدة التيارات المائية، إلا أنهم استطاعوا عمل خريطة تقريبية للموقع، ورؤية عدد من التماثيل الفرعونية القديمة، بجانب بعض الألواح الحجرية المسجّل عليها كتابات باللغة اليونانية والهيروغليفية، وبقايا مسلة تعود إلى عهد الفرعون رمسيس الثاني.

بعثة عالم الآثار الفرنسي جان إيف إمبرور أكدت أن هذه العمليات استطاعت أن تحدّد بدقة ملامح الموقع تحت سطح الماء، وعمل حصر دقيق لعدد القطع الأثرية، والتي يصل عددها إلى ثلاثة آلاف قطعة، واستمرت هذه العمليات لتأتي بمفاجأة لم يتوقّعها العلماء، وهي وجود بعض القطع الأثرية من العصور الفرعونية الأولى، بالإضافة إلى القطع التي تم اكتشافها سابقاً، وهي عبارة عن جزء من نصب عمودي كُتب عليه اسم الفرعون سيتي الأول في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وبعض رؤوس أبو الهول تحمل بعض ألقاب الفراعنة الأوائل، وبالفعل تم رفع بعض القطع المهمة، والتي بلغ عددها 34 قطعة، في الوقت الذي استمرت فيه عمليات الكشف لمعرفة المزيد عن الموقع، ولعل من أبرز هذه القطع تاج من الجرانيت الأحمر، يُعتقد أنه لتمثال إيزيس، وبعض الصخور التي يبلغ ارتفاع كل منها مترين، كما تم التعرُّف على تمثال للإله أوزوريس كواحد من الذين أُقيمت المنارة تقديساً لهم.

• متحف الماء

واقترح أثريون بريطانيون إقامة مجمع للآثار تحت الماء، وقد أبدى المسئولون عن الآثار المصرية اهتمامهم بهذا الاقتراح، في الوقت الذي ركّزت بقية الاقتراحات على بحث الوسائل اللازمة لحماية قلعة قايتباي التي تواجه خطر الانهيار، ويرفض جين إمبرور (أحد خبراء الآثار الفرنسيين) الاختيار ما بين حماية القلعة أو الحفاظ على منارة الإسكندرية والآثار المغمورة في الماء، ويؤكد أن الأمر لا يجب أن يُعالج بهذه الطريقة، بل يجب أن نهتم بحماية القلعة والمنارة في وقت واحد، وهذا ليس أمراً مُستحيلاً، ولكنه يتطلب الاستعانة ببعض الخبراء في هذا المجال، وتوفير الإمكانيات اللازمة.

ومن الثابت أن، الاهتمام بهذه الآثار وخاصة بقايا منارة الإسكندرية، قد بدأ منذ سنوات طويلة، ولكن العمل الفعلي تأخر حوالي عشرين عاماً؛ مما أدى إلى تأثّر بعض القطع الأثرية، وقد تأكد من خلال الدراسات وعمليات الكشف التي أُجريت للموقع، وجود صف مُستقيم من القوالب الحجرية الضخمة، والتي تتراوَح أوزانها ما بين 50 – 75 طناً، وهذا يرجَع الاعتقاد بأن هذه القوالب الضخمة هي التي كانت تتكوّن منها المنارة، فالطريقة التي وجدت عليها تبرهن على أنها كانت تخص مبنى استثنائياً كان ينتصب في شرقي جزيرة فاروس، وهو المكان الذي أكد المؤرخ اليوناني القديم سترابو أنه موقع المنارة، وهذا ما أكدته بعض المصادر الأخرى.

ويتحدث جين إمبرور عن خطة العمل خلال المرحلة القادمة، فيقول: سنعمَل على إخراج واحد في المئة من كمية الآثار الموجودة بالفعل، حتى يتم عرضها في مساحة قلعة قايتباي، كما أننا سوف نقوم بالتنقيب في الجزء الذي كان مسدوداً بالكتل الخرسانية التي أقامتها السلطات المصرية لصد الأمواج، حماية للجانب الشمالي الشرقي من القلعة، وذلك بعد الحصول على تصريح من الأجهزة المصرية المختصة على إزاحة هذه الكتل الخرسانية، بالإضافة إلى عمليات التنقيب على الأرض لمعرفة الامتداد الحقيقي للموقع الأثري.