أسباب خروج جابر عصفور وصعود عبدالواحد النبوي؟

بعيدا عن مقاه وسط القاهرة وحوانيتها المزدحمة بالضجيج والنميمة والكلام الفارغ، صعد نجم الدكتور عبدالواحد النبوي من خارج دائرة الضوء ليتولى حقيبة وزارة الثقافة، في التعديل الوزاري الجديد، لم يكن اسمه مدرجا في بورصة التكهنات المتداولة عمن سيخلف الدكتور جابر عصفور حال تركه المنصب، لم يعتقد شخص واحد فقط -حتي الكارهين له- أنه سيغادر كرسي الوزارة بهذه الطريقة المهينة، التي أسقطته طريح الفراش (كما تردد) فور علمه بنبأ إقالته!

تباينت الآراء وتعددت التأويلات والتصورات حول أسباب خروج عصفور من الوزارة في هذا التوقيت وبهذه الطريقة؟ التي لا أجد لها تفسيرا سوى أن تصريحاته وصدامه المتكرر مع الأزهر قد عجل بالقرار، خاصة وأنه كان دائم الحديث عن استعداده لترك منصبه في شهر يونيو القادم، أي عقب إجراء الانتخابات البرلمانية التي كان مقررا عقدها بين شهري مارس الحالي وإبريل القادم.

بالطبع رحب خصوم عصفور بالقرار، وكسروا القلل القناوي خلفه، شاعرين بالراحة أو قل بالشماتة في رحيله، فالرجل -بحسب ما هو معروف عنه- غير وبدل العديد من الأشخاص، في أكثر من موقع داخل كيانات الوزارة المتعددة، وكان آخر ضحاياه رئيس هيئة قصور الثقافة الدكتور سيد خطاب، والدكتورة كاميليا صبحي رئيس قطاع العلاقات الثقافية الخارجية. أما أنصاره فقد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة، بل وملأت حلقوهم غصة ألم مكتوم، ربما لأنهم في ظله، صعدوا السلم وحصدوا المكاسب، حيث ولاهم عددا لا بأس به من المناصب العليا في الوزارة التي ظلوا يحلمون بقنصها لسنوات طوال حتى واتتهم الفرصة بصعوده إلى كرسي الثقافة، وكانوا قبله خارج قائمة الطامحين.

لكنهم اليوم، أي الأنصار، باتوا يضربون أخماسا في أسداس كما يقال في المثل الشعبي، ولسان حالهم يلهج بالآسئلة: يا ترى هل سنبقي أم سنذهب غير مأسوف علينا؟ فالسبوبة الجديدة حلوة "بس لسه شوية كمان.. عايزين لحسة من قعر الطبق"!

وحتى كتابة هذه السطور لم أرَ أو أقرأ لواحد منهم تعليقا أو مداخلة هنا أو هناك، وهم الذين امتهنوا الكلام حرفة. فقد صمتوا ولو مؤقتا، وكأن على رؤوسهم الطير.

أما مستقبل الثقافة المصرية القوة الناعمة الضاربة في أزمنة الإرهاب الكئيبة هذه، فلها الوزير عبدالواحد النبوي الذي لم أتشرف بمعرفته من قبل.

المهم أن أولى الملفات التي من المتوقع أن يعمل عليها عبدالواحد النبوي، الذي شغل منصب مدير الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، ملف مبنى دار الوثائق في الفسطاط، وقانون الوثائق الذي ينتظر إقرارًا من البرلمان الذي لم ينتخب بعد، أو أن يصدر بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي. فالدكتور النبوي، الذي أشرف على إنشاء مبنى دار الوثائق في الفسطاط، دائمًا ما كان يناشد بحل أزمة مبنى الدار والتي تتمثل في تعين العمالة اللازمة والمتخصصة في مجال إدارة الأرشيف الوطني وذلك لسرعة تشغيل المبنى، الذي يقام على مساحة 5 آلاف متر في منطقة مصر القديمة، بجوار متحف الحضارة، وذلك بتكلفة 120 مليون جنيه بمنحة من الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة.

كما أن هناك عددا آخر من الملفات التي ما تزال تنتظر من كل وزير ثقافة يتولى هذا المنصب أن يعمل عليها، وتتمثل في وضع الثقافة المصرية على الخريطة العالمية، وكذلك العمل على "غربلة" الوزارة وأن يكون العاملون فيها أصحاب مهارات وقدرات تعي وتقدر العمل الثقافي، وتنهض به وخاصة بعد ثورتين قام الشعب المصري بهما. كما ينتظر من وزارة الثقافة أن يكون لها دور كبير في عملية تجديد الخطاب الديني التي دعا إليها الرئيس عبدالفتاح السيسي، مؤخرًا، وطالب الأزهر بعملها.

على هذا النحو ينتظر وزير الثقافة الجديد، العديد من الملفات والقضايا الثقافية التي تحتاج إلى إعادة نظر، ولكنه أيضًا ينتظر إصلاح العديد من المشكلات التي واجهها هو نفسه أثناء إدارته لأحد قطاعاتها المهمة، والتي أعلن في مناسبات عدة رفضه له ومطالبته بتقويمها.

واقع الحال أن الدكتور النبوي لم يكن بعيدًا عن الدور القيادي داخل وزارة الثقافة، حيث كان رئيس الإدارة المركزية لدار الوثائق القومية في 2010، ثم أصبح مديرًا للهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وأشرف على إنشاء مبنى دار الوثائق في الفسطاط، كما أنه عمل كمدير لتطوير مشروع رقمنة وميكنة الوثائق، ثم أصبح أمينًا للفرع العربي للمجلس الدولي للأرشيف، وهو أستاذ تاريخ في جامعة الأزهر، وخلال فترة توليه منصب مدير الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، قام الدكتور علاء عبدالعزيز، وزير الثقافة الأسبق، بإنهاء انتدابه هو وثلاث قيادات بدار الكتب والوثائق القومية.

ويرى النبوي أن الشعب المصري يجب أن يطلع على تاريخه، وبالتالي لا بد من إتاحة الأوراق ووضع آلية منظمة للإطلاع على تلك الأوراق، وهي ما كانت عليه بالفعل. وكانت الدار مستقلة إداريًا، وبدأت في أخذ نشاطها في نقل أوراق دار المحفوظات، ومجلس الوزراء والوزارات المختلفة، لدار الوثائق القومية والسيطرة على تلك الأوراق وإتاحتها بشكل سليم. لكن الدار فقدت استقلاليتها 1966 حين تم ضمها لدار الكتب في عام 1966 بشكل مفاجئ، وأدى هذا إلى تقليص دورها وحرمانها من ميزانية مستقلة.

كما أن للنبوي رؤية بتحويل دار الوثائق المصرية، لأحد أهم مصادر الدخل المصري وذلك إذا ما تمكنت من إتاحة أكبر عدد ممكن من الوثائق التاريخية في مطبوعات وإصدارات خاصة كما يفعل الأرشيف البريطاني والأرشيفات الكبرى التي تبيع الإصدار الواحد بمبلغ يفوق الـ100 جنيه إسترليني.

وفي عهده، قامت الدار بميكنة الوثائق الآن، وتمكنت من رقمنة 2 مليون وثيقة وسيتم إتاحتها على أجهزة كمبيوتر داخل دار الوثائق وسيمكن حينها إتاحة الإطلاع عليها، وستوضع مختارات من الوثائق على الموقع الإلكتروني للدار.

كذلك نادى بأن "الأصل في الوثائق هو العلانية وليس السرية". فالوثائق والمستندات التي تتحدث عن أعداد التلاميذ بالمدارس والكثافة الطلابية بالفصول مثلًا، لا يمكن أن تكون سرية وتعلن منذ إنشاء الوثيقة، أما إذا كانت الوثائق تتعلق بالأمن القومي مثل تقارير المخابرات العامة والتقارير المتعلقة بالأمن القومي، فإنها تعتبر سرية بحسب القانون ويتم حجبها على الوجه الذي ينظمه القانون، لكن نسبة الوثائق السرية والمحجوبة من أي أرشيف في العالم تتراوح ما بين 2 إلى 5% من إجمإلي الوثائق.

كما هدد بإغلاق المبني الجديد لدار الوثائق بعد افتتاحه، لعدم الاستعداد بإعداد الكوادر المتخصصة لقيام هذا المبني بدوره المنوط به، مؤكدًا أنه من المؤسف أن مبني تم تأسيسه بتقنية عالية ويعد ثاني أرشيف وطني على مستوي العالم، بتكلفة تصل إلى مائة مليون جنيه، يستفيد منه باحثون من 141 دولة، يستوعب 60 مليون وثيقة، تعجز الحكومة المصرية أن توفر له الحد الأدنى من العمالة، 155 موظفا مؤهلا، بتكلفة سنوية تتراوح بين 2 إلى 3 ملايين جنيه، رغم حاجة المبني إلى ضعف هذا العدد من الموظفين.

وخلال فترة إدارته لدار الوثائق، كشف النبوي عن نية الدار لنشر وثائق –غير عسكرية– متعلقة بحرب 6 أكتوبر، في كتاب تحت عنوان "مصر في قلب المعركة"، ويتضمن وثائق ومستندات تقدم وصفًا لحالة الدولة المصرية قبل وأثناء حرب أكتوبر يتضمن وثائق حول أعداد الدولة للحرب، وتغطي وثائقه الفترة ما بين 5 يونيو 1967 وحتى فترة ما بعد الحرب، ولا تزال الوثائق العسكرية الخاصة بالحرب تحت التصنيف سري، ولم تتسلمها دار الوثائق حتى الآن، رغم مرور أربعين عامًا عليها.

وعليه فإن الوزير الجديد تنتظره آراؤه السابقة كرقيب على خطته لإصلاح وزارة الثقافة، وهو ما ستكشفه الفترة القادمة بعدما بات القرار أخيرًا في يده.