كنائس مصر... إعادة القوة عبر الإنترنت

العبادة من بعيد

يعيش في مصر نحو سبعين طائفة مسيحية، تعيش كل منها في وضع مختلف، وظلت قياداتها كذلك حتى تم تشكيل مجلس كنائس مصر، الذي ضم أبرز وأكبر هذه الطوائف وهي الأقباط الأرثوذكس، الإنجيليين، الروم الأرثوذكس، الكنيسة الأسقفية والكاثوليك، وأسهم هذا المجلس في توحيد صف هذه الكنائس، ويترأسه البابا تواضروس بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، والذي يمثل رأس الطوائف المسيحية في مصر.

ظلت مصر في حالة من الجمود الكنسي في التعامل مع الوسائط الإلكترونية حتى وفاة البابا شنودة وتولى الأنبا بوخميوس المرحلة الانتقالية، التي أعاد فيها ترتيب البيت الكنسي من الداخل، ليمثل بداية للتغيير والتطوير في الكنيسة، حيث أسس لأول مرة في تاريخ الكنيسة مكتباً إعلاميا ضم نحو عشرين شابا، ليتسلم البابا تواضروس الراية، في نقلة اعتبرها البعض تجديداً لشباب الكنيسة، ليكمل ما بدأه بوخميوس وليجري تعيين القس بولس حليم متحدثاً رسمياً، وهو شخص دبلوماسي ومتمكن من أدواته الإعلامية في التواصل الفعال، فدشن صفحه على فيس بوك، وأنجز لأول مرة في مصر "أرثوذكسي" على جوجل ستورز، وعلى فيس بوك، رسائل غير رسمية. هذا فيما يخص الجهاز الإعلامي المعاون للبابا، بينما البابا نفسه فهو يحمل أحدث صيحة في عالم الموبايل ويتفاعل مع الكافة، لدرجة أنه يلتقط صورا "سيلفي" مع من يرغب في ذلك من شعب الكنيسة، في دلالة واضحة على حجم التفاعل والتواصل.

كما حرص البابا على الانفتاح مع أقباط المهجر، وراح يطوف الدنيا من روسيا للفاتيكان ثم أمريكا وأثيوبيا، في تواصل فعال أعاد للكنيسة المصرية قوتها الناعمة وتواصلها الفاعل مع منتسبيها، منطلقاً من كونه ليس ممثلا للأقباط الأرثوذكس فحسب، بل هو رئيس مجلس كنائس مصر أيضاً.

في علاقته بشباب الكنيسة، قوى علاقته بهم وأتاح مساحة كبيرة للاحتكاك مع الشباب بشكل مباشر، وكذلك من خلال الموقع وصفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي كافة: فيس بوك، وتويتر، وجوجل ستورز، وغيرها من مواقع تمثل انتشارا واسعا بين شعبه.

كما يقوم المركز الثقافي القبطي بنشاط مماثل في التواصل مع شعب الكنيسة، حيث لعب الأنبا إرمينيا -بتواصل مع الشباب- دوراً مهماً في دعوة الناس للانتخابات، إلى جانب التنسيق مع مجموعات شباب ماسبيرو التي تشكلت بعد أحداث الماريناب في استيعاب واضح للشباب بعد سنوات من الإقصاء، كما نجح في استيعاب التيار العلماني القوي في الكنيسة المصرية، الذي يسانده بكل قوة في ثورته الحاصلة حاليا على المستويات كافة.

دينياً، يعقد البابا تواضروس لقاءً أسبوعياً كل أحد، وأقام برنامجا إلكترونيا بعنوان "أنت تسأل والبابا يجيب" عبر الوسائط الإلكترونية المختلفة، بخلاف عظة الأربعاء الثابتة في الكنيسة، وهو الأمر الذي زاد التفاعل بين القيادة الكنسية الحالية والشباب، وانفتاحها الذي وظف توظيفاً أمثل للوسائط الإلكترونية المتاحة كافة، من وسائل تواصل اجتماعي، وبرامج متاحة، وتطبيقات ممكنة على الهاتف النقال، مما يمثل أقصى درجات التواصل بين الكنيسة وشعبها.

بذلك تعددت وسائل التواصل بين الكنيسة ومنتسبيها، من خلال صفحات البابا وموقعه وصفحة المتحدث والعظات الأسبوعية ومشاركاته في المناسبات كافة، الدينية الرسمية وغير الرسمية، بشكل يقدم وجودا فاعلا للكنيسة في الساحة السياسية بما يضمن للمسيحيين حقوقهم. أما الكنيسة الإنجيلية، فكانت سباقة في التواصل برئاسة القس صفوت البياضي، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر.

ربما من بين ما هو جديد في الكنيسة بعد تولي البابا تواضروس وكثرة عظاته، أن بعضاً من شباب الكنيسة أخذته الحمية، فأخذ يحول كلمة البابا وعظته إلى إنفو جراف، ويجرى نشرها على الصفحات والمواقع المختلفة، كما بدأت تظهر أدعية وجروبات مسيحية لتناول تلك العظات.

الكنيسة والدين في المستقبل

توقعات ورؤى مستقبلية مبنية على وقائع في إطار التطورات التكنولوجية، واستعدادات قادة الكنيسة لتوظيفها واستخدامها لخدمة قضاياها. من اهتمامات الكنائس المختلفة المستقبلية بالإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي كافة، ربما يمكننا التنبؤ بها في ضوء مقولة البابا جون بول الثاني عندما صرح بأن "الكنائس ومجموعات الإيمان التي ترفض التكيف مع عصر الاتصالات الإلكترونية لن تبقى على قيد الحياة". ولذا، ففي غير مناسبة يعلن مسؤولو الإعلام الكنسي أن التطورات التقنية هائلة، والعالم الرقمي أصبح عالماً متفاعلاً، يتطلب تفاعلاً، ومع التقنيات الحديثة لم يعد المشاهد مجرد متلقِ، إذ أصبح بإمكانه أن يشارك في أي برنامج معروض باتصال تليفوني مباشر، أوعبر البريد الإلكتروني، والمدونات وخدمة الرسائل القصيرة، كما يمكنه أن يختار ساعة بث برنامجه المفضل، وأن يشارك المحطة في اقتراح الموضوعات التي يريد، والأهم أن المشاهد أصبح أيضاً مراسلاً، وناقلاً للحدث.

عمران ضارب في أعماق مصر

ولدى مسؤولي الكنائس المختلفة، في الشرق والغرب على حد سواء، قناعات واضحة بأن الإنترنت أداة مفيدة للصلاة المسيحية، خصوصاً للمرضى وكبار السن. ونستدل على ذلك بما ذكرته مصادر كنسية داخل دولة الفاتيكان، أن الكنيسة الكاثوليكية وافقت على إنشاء موقع إلكتروني مخصص لـ"الصلاة"، لتمكين المسيحيين في العالم من الصلاة عبر شبكة الإنترنت، من خلال تلاوة الصلوات المسجلة على الشبكة "الاجتماعية الجديدة" التي تتخصص للصلاة، حتى تكون الصلاة بأسلوب جديد عبر الارتباط بشبكة الإنترنت من خلال هاتف محمول أو جهاز كمبيوتر أو أي أجهزة متخصصة.

لقد تغيرت ممارسة العبادات، إذ ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن ملايين الأشخاص حول العالم، الذين أصبحوا يعتمدون على شبكة الإنترنت بشكل أساسي، ليس فقط في الحصول على الفتاوى والتعاليم الدينية، ولكن أيضا في أداء بعض الطقوس والشعائر الدينية، معتبرين أنها باتت أسرع وأيسر الوسائل في التفقه في دياناتهم والإلمام بجوانبها كافة.

أما مستقبل التلفزيون، فهو يمتد إلى البث عبر الإنترنت، وعبر أجهزة الهواتف المحمولة. وقد بدأت بعض الكنائس، ولا سيما في لبنان، منذ فترة العمل على إطلاق مشروع البث عبر موقع الإنترنت، حيث سيتمكن أي مشاهد لديه اتصال بالإنترنت في أي مكان من العالم، من متابعة برامجهم والمشاركة فيها.

لقد دخل التلفزيون حقبة جديدة، ولا شك أن هناك قوى إعلامية ضخمة، قد نشعر أمامها بالضعف والفقر أحياناً كثيرة أمام إمبراطوريات المال، والتقنيات المتطورة بسرعة قياسية، لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي.

إعلام غير عادي

يؤمن القائمون على العمل الإعلامي الكنسي بأنهم ليسوا إعلاميين عاديين، وأنهم مهما استعملوا من تقنيات، ومهما سعوا إلى الاحتراف، فهم يسعون دائماً إلى تطبيق الرؤية المسيحية للإعلام، وهم يؤمنون دوما بأن التلفزيون المسيحي والإعلام المسيحي هو أولاً: في خدمة الحقيقة والموضوعية، وهو ثانياً: في خدمة العدالة، وثالثاً: في خدمة السلام والتفاهم والحوار، وأن إعلامهم من أجل ثقافة السلام، وهو إعلام يعتمد على المصداقية، ويتحلى بالإيمان لأن الروح يعمل، وأنه لا يكفي أن تنقل البشارة عبر وسائل الاتصال، بل أن نضحي نحن بالذات بشرى الإنجيل، نعي أن البشرى ليست عملنا بل عمل الله، فاستخدام وسائل الاتصال الحديثة يتطلب أولاً ودائمًا عمل الروح القدس، الذي هو أفضل وسيلة اتصال.