نصف التونسيات تحت وطأة العنف بعد مسيرة التحرر الطويلة

التونسيات يعانين العنف في البيت والعمل

تونس - أظهرت دراسة ميدانية حديثة أن العنف الموجه ضد المرأة التونسية بمختلف أشكاله المادية والمعنوية والجنسية والاقتصادية تزايد بشكل "مفزع" خلال السنوات الأربع الماضية ليشمل أكثر من 50 بالمائة من نساء تونس اللواتي يتمتعن بقوانين متقدمة تحمي حقوقهن بالمقارنة مع البلدان العربية.

وحذرت منظمات المجتمع المدني وفي مقدمتها المنظمات النسوية من خطورة الظاهرة، مطالبة بتجريم مختلف أشكال العنف المسلط على المرأة من قبل مجتمع ذكوري لم يتحرر بعد بالكامل من "النظرة الدونية للمرأة" التي تجردها من حقوقها كمواطنة.

وقالت دراسة اللجنة الوطنية للمرأة العاملة بالإتحاد العام التونسي للشغل خلال شهر فبراير/شباط 2015 ونشرت نتائجها السبت بمناسبة اليوم العالمي للمرأة الأحد أن نسبة النساء المعنفات في تونس شهدت نسقا تصاعديا مفزعا مند ثورة يناير/كانون الثاني 2011 لتبلغ 50 بالمائة في مختلف الفئات والجهات بعد أن كانت هذه النسبة في حدود 27 بالمائة قبل الإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي.

وأكدت نجوى مخلوف منسقة اللجنة التونسية للمرأة بإتحاد الشغل والعضو باللجنة العالمية للمرأة أن العنف المسلط ضد المرأة في تونس قد تزايد بصفة ملحوظة مند ثورة يناير خاصة منه العنف الاقتصادي بالنسبة للمرأة العاملة والمتمثل خاصة في الطرد غير القانوني للمرأة ومنعها من العمل من قبل بعض الأزواج إضافة العنف المعنوي الذي يمارسه أرباب العمل بما في ذلك التحرش الجنسي.

ويعرّف الإعلان الأممي لسنة 1993 حول القضاء على العنف ضد النساء العنف بأنه "كل عمل عنيف قائم على النوع الاجتماعي تنجر عنه أو يمكن أن تنجر عنه معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية بما في ذلك التهديد والإكراه والسلب غير المبرر للحريات سواء وقع ذلك في الدائرة العامة أو الخاصة".

ولاحظت مخلوف أن العنف المسلط ضد المرأة ينقسم إلى أربعة أنواع وهو العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي مشددة على أن أعلى نسبة من أنواع العنف المسلط على المرأة هو العنف الجسدي الذي يشمل الصفع، اللكم، الركل، الحجز، الخنق، وحتى الحرق فاق 32 بالمائة ما يؤكد أن المرأة التونسية ما زالت "ضحية عقلية مجتمع ذكوري تستنقص من مكانة المرأة وتستبيح جسدها وذلك على الرغم من أن المرأة التونسية التي تتمتع بقوانين متقدمة تحمي حقوقها المادية والمعنوية ويفترض أن تكون حصنا تشريعيا ضد تعنيفها.

وفي قراءة لتوزيع ظاهرة العنف ضد المرأة أظهرت الدراسة أن العنف النفسي الذي يعني السب والتخويف والاحتقار والحط من القيمة والقدح في القدرات الذهنية واستنقاصها والسخرية من الجسد والمظهر والممارسات اللفظية والإيحاءات الجارحة يحتل المرتبة الثانية بعد العنف الجسدي بنسبة 28 فاصل 9 بالمائة.

ويأتي العنف الجنسي الذي يعني إجبار المرأة جسديا على أن تقيم علاقات جنسية ضد إرادتها، بما فيها ممارسات جنسية وضيعة ومهينة، أو الاستغلال الجنسي في الرتبة الثالثة بنسبة 15,7 بالمائة، فيما يمثل العنف الاقتصادي الذي يشمل الاستغلال المالي،الابتزاز، الحرمان من المال أو من الضروريات الحياتية ومراقبة التصرف في الراتب حوالي سبعة بالمائة.

ويسجل العنف من قبل الزوج أعلى النسب حيث يبلغ العنف الجسدي 48 بالمائة من الحالات، والعنف النفسي 69 بالمائة من الحالات، والعنف الجنسي أكثر من 78 بالمائة من الحالات، والعنف الاقتصادي يماثله تقريبا.

وتبرز هذه المؤشرات أن المرأة التونسية عرضة لمختلف أشكال العنف سواء في الفضاء الأسري حيث تتعرض للضرب والشتم والاساءة النفسية وحتى الاغتصاب من طرف زوجها أو في فضاء المجتمع والعمل حيث تتعرض إلى الاغتصاب والإكراه على العمل الشاق والطرد غير القانوني من قبل أرباب العمل.

ويرجع أخصائيون اجتماعيون ونشطاء مجتمع مدني تزايد العنف ضد المرأة مند ثورة يناير إلى "التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس وهي تحولات فككت العلاقات الأسرية وزجت بها في حالة من التوتر والتشنج يغذيها تردي أوضاع المعيشة وتزايد الضغوط المادية وتعمق مظاهر البؤس والحرمان نتيجة تفشي البطالة والفقر".

ويضيف الخبراء أن المرأة مثلت خلال السنوات الأربعة الماضية "قاع هرم الاستغلال" في المجتمع وأنها الضحية الأولى لفشل سياسات الحكومات المتعاقبة على تأمين الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي والنفسي داخل الأسرة التونسية وفشلها أيضا في حماية حقوق المرأة في العمل حيث تعرضت آلاف العاملات في القطاع الخاص إلى الطرد غير القانوني في غياب كامل لدور مؤسسات الدولة المعنية بحماية حقوق التونسيين الاقتصادية".

ووفق إحصائيات إتحاد الشغل فقد بلغت نسبة النساء العاملات في القطاع الخاص اللواتي تعرضن للطرد غير القانوني مند ثورة يناير أكثر من 27 بالمائة إما نتيجة توقف المؤسسات عن العمل دون تمكين العاملات من حقوقهن أو نتيجة "طرد مباشر" للعاملات بدون موجب قانوني.

وحسب توزيع نسب العنف الموجه ضد المرأة فإن المرأة المنحدرة من الفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة والمحرومة حيث تنتشر الأمية بنسبة لا تقل عن 70 في المائة هي الأكثر عرضة للعنف بمختلف أشكاله بنسبة تفوق 73 بالمائة فيما تنخفض هده النسبة إلى 23 في المائة لدى الفئات الميسورة والمتعلمة.

وتفسر النسب العالية من العنف المسلط على المرأة في الفئات الهشة والفقيرة والأمية بخطورة تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيه البلاد مند أربع سنوات على طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ذلك أن تردي أوضاع المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية والبطالة توفر أرضية خصبة لتسليط شتى أنواع العنف على المرأة حيث كثيرا ما تضطر المرأة تحت ضغط عنف نفسي وجسدي يمارسه ضدها زوجها إلى القبول بـ"العنف الاقتصادي" من خلال امتهان شغل وضيع أو شاق بأجر لا يناسب جهدها.

غير أن أخطر أنواع العنف الذي تعرضت له المرأة التونسية مند ثورة يناير هو "العنف الديني" الذي تمارسه الجماعات السلفية ضد المرأة، حيث أكدت دراسة أعدتها كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية أن 83 بالمائة من النساء المتزوجات من السلفيين يتعرضن إلى شتى أنواع العنف بما فيها العنف الجنسي إضافة إلى عمليات إكراه أخرى مثل ارتداء النقاب وإجبارها على ترك العمل ورفض خروجها من المنزل وابتزاها ماليا.

وسجلت تونس خلال عام 2014 أبشع عملية عنف جنسي ارتكبها سلفي جهادي ضد زوجته المنقبة حيث أجبرها على السفر برفقته إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، واعترفت الزوجة التي تدعى "أم سلمى" لوسائل الإعلام المحلية بعد عودتها أن "زوجها أجبرها على ممارسة الجنس مع أكثر من 100 جهادي من مقاتلي داعش" (الاسم الشائع لتنظيم الدولة الإسلامية).

وإزاء مؤشرات تزايد العنف المسلط على المرأة طالبت نجوى مخلوف بوضع قانون يجرم العنف ضد المرأة بكل أشكاله وحمايتها داعية مختلف مكونات المجتمع المدني إلى القيام بحملات لمناهضة العنف المسلط على المرأة ووضع إستراتيجية لمكافحة هذا العنف.

ولفت الإتحاد العام التونسي للشغل إلى أن "العنف المسلط على المرأة مند ثورة يناير تطور ليصبح عنفا سياسيا وعنفا ثقافيا خاصة من قبل المجموعات المتشددة والمسلحة عاشته المرأة التونسية في المحطات الانتخابية والأنشطة المجتمعية والمدنية والإعلام والتظاهرات الثقافية وحتى في موقع عملها داخل المؤسسات التربوية والكليات".

وشدد اتحاد الشغل على أن "مظاهر العنف في تونس اليوم تتجلى في الفضاء الخاص والفضاء العام وخاصة في موقع العمل حيث تواجه المرأة العاملة التهميش والتفقير والاضطهاد إلى حد الاستعباد وارتفعت بذلك أشكال العنف الاقتصادي ضد النساء فتجد المرأة نفسها ضحيّة المناولة والتسريح".

ودعا إتحاد الشغل ايضا إلى إرساء ثقافة المواطنة والتوزيع العادل للثروة والإنصاف الحقيقي بين الجنسين والحوار وتطوير القوانين لتجسد بذلك منظومة حقوق الإنسان العالمية التي تعتبر الكرامة الإنسانية أبرز قيمها وأهدافها.

وتحمل الجمعيات النسوية الناشطة في المجتمع المدني الدولة مسؤولية تزايد العنف المسلط على المرأة مند ثورة يناير مشددة على تنصل مؤسسات الدولة من القيام بواجبها في رعاية حقوق المرأة التي تنص عليها مختلف قوانين البلاد بما فيها قانون الأحوال الشخصية وقانون الشغل جعل المرأة التونسية عرضة لأبشع أنواع العنف ما جعلها تمثل "الضحية الأولى" للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي تعيشها البلاد مند أربع سنوات.