الإخوان... هكذا شقوا طريقهم إلى الانهيار

من دهاليز تنظيم الجماعة

يكشف في هذه الحلقة عن الاجتماعات التي سبقت ثورة 25 يناير، وكذلك الاجتماعات التي جرت بين وفد الجماعة وعمر سليمان نائب رئيس الجمهورية السابق. في الواقع، لم يكن من السهل على إنسان قضى في الجماعة أكثر من 40 عاماً، أن يتخذ قراراً بالخروج منها، كان هذا أمراً عسيراً، وقد ظل التفكير فيه طويلاً مع ما صاحب ذلك من معاناة وإحساس بالحزن والألم، لقد كان فك الارتباط بيني وبين الجماعة مرحلياً ومتدرجاً، وقد لعبت الأحداث دوراً كبيراً في ذلك، إذ كان يتكشف لي مع الوقت، أشياء كثيرة، غريبة وعجيبة، كانت تدفع في اتجاه فك هذا الارتباط، وهو ما كان له أثره في تقليل الشعور بالحزن والألم.

حفل عام 2010 بمجموعة من الأحداث والمواقف، لكن ظل الارتباط بالجماعة قائما، ولم أدخر وسعاً في تقديم النصح لقيادة الجماعة، أملًا في أن تتخلص من كثير من السلبيات التي ارتبطت بها، وجاء عام 2011، عام الثورة، وفي الوقت ذاته عام فك الارتباط نهائياً من الجماعة.

لقاء مع عمر سليمان

بذل الإخوان جهوداً جبارة لإقناعي بحضور حفل تنصيب الدكتور بديع مرشداً عاماً في 16 يناير 2010، وكان الهدف من الحضور هو إعطاء انطباع لدى الرأي العام أن الجماعة على قلب رجل واحد، وأن كاتب السطور موافق ومعترف ومقر - بطبيعة الحال - بما جرى من انتخابات لمكتب الإرشاد وللمرشد، وقد رفضت مجرد التفكير في الحضور، إذ كان شريط الأحداث ماثلاً بكل تفاصيله أمام عيني.

كنت في أسيوط عندما اتصل بي هاتفياً د. يوسف القرضاوي، تقريباً في الفترة نفسها، كان عتابه لي شديداً، إذ قال: كيف يا دكتور حبيب تترك هذه المجموعة »القطبية« تسيطر على الجماعة بهذا الشكل؟ قلت: هناك تفاصيل كثيرة غائبة عنك، ولن يجدي التحدث عنها من خلال الهاتف.

جاء الدكتور القرضاوي إلى القاهرة، لكن - للأسف - لم تتح لي فرصة لقائه، وإنما جمعه لقاء في منزله بمحمد عاكف وعبدالمنعم أبو الفتوح، وقد نقل لي عبدالمنعم ما دار في اللقاء فيما يخصني، سأل القرضاوي عاكف: كيف حال الجماعة؟ رد الأخير كالعادة: الحمد لله، تدخل عبدالمنعم، وقال: في خير حال كيف؟ هناك كذا وكذا، سأل القرضاوي: وأين الدكتور حبيب؟ أجاب عبدالمنعم مازال بعيداً، قال القرضاوي: وماذا يريد؟ قال عبدالمنعم: يريد لجنة مستقلة تحقق فيما جرى، والرجل مستعد إن كان قد أخطأ، فسوف يعلن اعتذاره لإخوانه على مستوى كل الفضائيات، أما إذا كان إخوانه هم الذين أخطأوا في حقه، فيكفيه اعتذارهم له في غرفة مغلقة، عندئذ، قام عاكف وقال وهو يغادر المكان: أنا لست مستعداً لأن أدلي بشيء لأي لجنة.

في ليلة 31 يناير 2011، اتصل بي هاتفياً الدكتور بديع ليستطلع رأيي في أن مكتب الإرشاد يريد إرسال الدكتور محمد مرسي والدكتور محمد سعد الكتاتني لحضور الحوار الذي دعا إليه اللواء عمر سليمان، نائب مبارك آنذاك، مع رؤساء الأحزاب وبعض الشخصيات العامة، قلت: لا تفعلوا، ستكون وصمة، قال: هي فرصة لعرض المطالب، قلت: إن المطالب معروفة وهي مكتوبة في لوحات كبيرة معلقة في الميدان، ثم هل تريدون أن تتبينوا جدية نظام حكم مبارك في التغيير الآن؟ وذهب الإخوان.

المهم أن عبدالمنعم أخبرني أن هذا اللقاء الخاص تضمن طلباً لعمر سليمان من الأخوين بأن يتم سحب الإخوان من الميدان، ولم يكن لديهما مانع من ذلك شريطة أن يتم الإفراج عن خيرت الشاطر وحسن مالك، وتأخذ الجماعة شرعيتها، وقد أصدرت قيادة الجماعة أوامرها لشباب الإخوان الموجودين في الميدان بالإخلاء، إلا أنهم رفضوا ذلك.

أسباب الخروج

كما يقال تعددت الأسباب والموت واحد، المهم أن الأجل في كل هذه الحالات قد انتهى، وسأكتفي فقط بذكر الأسباب التي سبقت هذا التاريخ:

السبب الأول: انهيار جسور الثقة بيني وبين أعضاء مكتب الإرشاد، إنه من الصعب على الإنسان أن يكتشف أن إخوانه كانوا يخدعونه.

السبب الثاني: فقدان الأمل في إصلاح هذا الجيل من الإخوان، فالأمر يحتاج تغييراً شاملًا في الفكر.

السبب الثالث: خيانة القوى الثورية بالذهاب إلى الحوار مع اللواء عمر سليمان، بالرغم من وجود اتفاق بين الجميع أنه لا حوار إلا بعد الرحيل.

السبب الرابع: قرار مجلس الشورى بفصل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح لمخالفته قرار المجلس بسبب ترشحه للرئاسة، والموقف الحاد تجاه كل من ينشئ حزباً، أو ينتمي لحزب غير الحرية والعدالة.

السبب الخامس: فقدان المصداقية أمام الشعب المصري فيما يتعلق بنسبة المنافسة على مقاعد المجلس النيابي والترشح للرئاسة.

الخطيئة الكبرى

الخطيئة الكبرى في حياة جماعة الإخوان المسلمين هي أنها لا تعترف بأخطائها.

إن المتتبع لمسيرة الجماعة في الفترة الممتدة من ثورة 25 يناير 2011 مباشرة وحتى ثورة 30 يونيو 2013، يلاحظ وجود سلسلة من الأخطاء ارتكبتها قيادة الجماعة، هي بالطبع، ليست منفصلة عما قبلها، وإنما تعتبر امتداداً لها، وهي التي عجلت بسقوطها.

- عدم الفصل بين الجماعة والحزب.

- التزمت الجماعة الصمت المطبق حيال ما حدث إبان الفترة التي كان يتولى فيها المجلس العسكري إدارة شؤون البلاد.

- كان خطأ كبيراً عندما نافست الجماعة على كل مقاعد مجلس الشعب في انتخابات نوفمبر 2011، ومن المضحك المبكي أن مكتب الإرشاد هو الذي كان يدير مجلس الشعب، فهو الذي اختار الدكتور الكتاتني لكي يرأس المجلس، رغم أن هناك من كان أفضل وأولى، سواء من الإخوان أنفسهم أو من المتعاطفين معهم، كما كان هو الموجه الحقيقي لسير الجلسات، ولم يكن مجلس الشورى بأسعد حظاً، فقد تم اختيار الدكتور أحمد فهمي، صهر الدكتور مرسي، رئيساً له.

وقد برزت منذ اللحظة الأولى مشكلات بين القوى الثورية والإخوان في البرلمان، فالأولى تنادي بأن تسير شرعية الميدان جنباً إلى جنب مع شرعية البرلمان، بينما الإخوان ينادون فقط بشرعية البرلمان، ومن المضحك أنه عندما تأزم الموقف بين البرلمان والمجلس العسكري، سارع الإخوان ينادون بالشرعيتين معاً، وأظن أن دورهم في أحداث محمد محمود الثانية كان مخجلاً ومخزياً، وكيف أنهم استقبلوا وزير الداخلية - محمد إبراهيم الأول - بالأحضان داخل المجلس.

ومما يؤسف له حقاً، أن يلعب الإخوان - من خلال البرلمان - دوراً في تهريب أفراد المنظمات الحقوقية التابعين للولايات المتحدة إلى خارج البلاد(!!) وقد أرسل لهم السناتور جون ماكين رسالة يعبر فيها عن عميق شكره وشكر الولايات المتحدة على الدور الذي قاموا به (!)

- في أبريل 2012، أعلنت بمنتهى الوضوح أن إقدام قيادات الجماعة على ترشيح المهندس خيرت الشاطر لخوض لانتخابات الرئاسة هو خطأ استراتيجي قاتل، كنت أعلم حالة التدهور والارتباك التي تعانيها الجماعة، وأنها لن تكون قادرة بحال على القيام بهذه المسؤولية الكبيرة.

- وقع الدكتور مرسي في أخطاء قاتلة، كان على رأسها وفي مقدمتها الإعلان الدستوري المشؤوم الذي اصدره يوم 21 نوفمبر 2012.

- لقد أهان مرسي وأنصاره القضاء، والإعلام، وفشل في تحقيق أي خطوة نحو العدالة الاجتماعية أو الانتقالية.

- لقد كان مرسي والإخوان »أساتذة« في إضاعة الفرص التي لاحت لهم، ونظراً لغياب الوعي والإدراك بما يجرى على أرض الواقع، خرج عشرات الملايين من المصريين في 30 يونيو 2013 رفضاً وغضباً واحتجاجاً ومطالبة برحيل حكم الإخوان، وفي 3 يوليو،انحاز المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإرادة الملايين من شعب مصر، وتم عزل مرسي والإطاحة بحكم الإخوان الذي لم يمكث سوى عام واحد.

- راهن الإخوان وأنصارهم على جماعات التكفير والعنف والإرهاب، وراهنوا أيضاً على دعم الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي وتركيا وقطر لهم.

الجماعة والتضحية بالشباب

لقد حاولت قدر طاقتي ألا ينشر هذا الكتاب، وعندما كان يوجه لي سؤال في كثير من الفضائيات والحوارات الصحافية: متى ينشر كتابك؟ كنت أقول: لا أدري متى، ربما بعد عام، أو عامين، أو حتى أعوام، وربما ينقضي الأجل دون أن تنشر كلمة منه، كان همي كله مركزاً على الأثر السلبي الذي يمكن أن يتركه هذا الكتاب على الإخوان، من حيث وحدة الصف وتماسك الجماعة، رغم ما كان ينالني من اتهامات وتجرىح وإساءة وإسفاف وبذاءة من بعض الإخوان، أو ممن ينتسبون إلى الإخوان الذين لا يفهمون ولا يعلمون شيئاً عما جرى، مع ذلك، ظللت صابراً ومحتسباً فترة طويلة تجاوزت أربع سنوات ونصف السنة.

وبعد كل الذي جرى، كان من الضروري أن ينشر هذا الكتاب، فقيادة الجماعة ماضية في طريقها من سيئ إلى أسوأ، غير عابئة بالدم الذي سال والذي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤوليته، ويبدو أن لديها إصراراً بالتضحية بما بقي من الشباب، بل بما بقي من تاريخ الجماعة.

لقد ظلمت هذه القيادات نفسها، وظلمت الجماعة، وظلمت الإسلام، وظلمت الوطن، ولا يزال بعض الشباب الواهمين والمخدوعين متمسكين بها.

إصرار على رفض البيعة

لم تنقطع زيارات الإخوان لي، سواء في القاهرة أو في أسيوط، وكان معظمهم يستهدف من وراء الزيارة أن أبايع الدكتور بديع مرشداً،وفي أحد الأيام اتصل بي هاتفياً محمد حسين، عضو مجلس الشورى العام والذي تم اختياره كرئيس للجنة التحقيق ، قلت: لست مستعداً لاستقبال أي لجان تحقيق، ما لم تكن هذه اللجان مستقلة ، رد قائلاً: أنا أريد أن أشرب معك كوباً من الشاي، قلت: إذا كان الأمر هكذا، فأهلاً بك ، جاءني محمد حسين ومعه آخر يدعى أحمد محمد عبد، عضو مجلس الشورى العام، وكان ذلك في يوم 2 يونيو 2011 ، تكلم الأول عن الهدف من الزيارة، وأن الجماعة في حاجة إلي، ولماذا لم أبايع .. الخ.

في تلك الأيام، ترك ثلاثة أعضاء من مكتب الإرشاد مواقعهم، وانتقلوا إلى حزب الحرية والعدالة، وهم د. محمد مرسي، د. محمد سعد الكتاتني، ود. عصام العريان، وبالتالي أصبحت أماكنهم شاغرة، الأمر الذي يتطلب انتخاب أعضاء جدد من مجلس الشورى العام، ولما كنت قد حصلت في آخر انتخابات لمكتب الإرشاد - والتي جرت في أواخر ديسمبر 2009 - على أكثر من 40% من الأصوات، وهو ما يستلزم تصعيدي لعضوية المكتب حال خلو مكان ودون الحاجة إلى إجراء انتخابات، وبالتالي يجرى انتخاب اثنين فقط، وليس ثلاثة، لكن كيف يتم تصعيدي ولم أبايع بعد؟ من هنا كانت الزيارة، لذا قلت للزائرين بحسم: لن أبايع.

قالا: ماذا نفعل الآن، قلت: أنا أعفيكما من هذا الحرج، وسأملي عليكما ما تكتبانه.. أمسك أحدهما قلمه وكتب ما يلي: إنه في يوم الخميس 2/ 6/ 2011، وفي تمام الساعة السادسة مساء بمنزل الدكتور محمد حبيب، وعضوية كل من محمد حسين رئيس لجنة التحقيق وعضوية / أحمد محمد عبد، عضو اللجنة، تم إبلاغ اللجنة بهذه النقاط من الدكتور محمد حبيب:

أولاً: لا أرغب في تولي أي موقع داخل الجماعة.

ثانياً: أنا متنازل عن عضويتي في مجلس الشورى العام.

ثالثاً: أنا سعيد كل السعادة كوني فرداً عادياً داخل جماعة الإخوان المسلمين.

رابعاً: بخصوص البيعة، فأنا ممتنع عن أداء البيعة حتى يتم التحقيق فيما جرى من المخالفات.

خامساً: أرى أنه يجب أن تكون اللجنة القانونية القائمة بالتحقيق مستقلة ولها صلاحية التحقيق .

لقاء مع المرشد

كانت هناك محاولات للضغط علي للالتقاء بالدكتور بديع، وبالفعل تم لقاء في بيت د. محمود أبوزيد، كان لقاء حميمياً، وقد ذكر الدكتور بديع أنه في حاجة ماسة إلى مشورتي، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

بعدها دعاني د. سيد دسوقي، للقاء آخر واشترطت عدم حضور محمد عاكف، وعقد اللقاء قبل الثورة بـستة أيام، وكان طبيعياً أن نتناول قضية الثورة التونسية ومدى احتمال انتقالها إلى مصر، وقد حاول الدكتور بديع استطلاع رأي الحاضرين حول تظاهرة 25 يناير، وهل يشاركون فيها أم لا.

نشر في البيان الإماراتية

من مذكرات محمد حبيب

النائب الأول السابق للمرشد