وزير الداخلية التونسي يقود حملة لتطهير الأجهزة الأمنية

من اجل القضاء على ظاهرة الارهاب

تونس ـ أقال وزير الداخلية التونسي محمد ناجم الغرسلي عددا من كبار القيادات الأمنية المتنفذة في الأجهزة الحساسة في إطار حملة شاملة تهدف إلى تطهير المؤسسات الأمنية من قيادات محسوبة على حركة النهضة كانت زرعتها خلال فترة حكمها عامي 2012 و2013 في مسعى لإحداث "أمن مواز" يخدم مصالحها السياسية الأمر الذي أثار سخطا لدى مختلف الأجهزة الأمنية وأيضا لدى الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني الذين ما انفكوا يطالبون بـ"تحييد" وزارة الداخلية عن التجاذبات السياسية وإرساء "منظومة أمنية جمهورية" تخدم المصلحة العليا للبلاد بعيدا عن ولاءات حزبية.

يذكر ان ناجم الغرسلي التقى قبل ايام رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في قصر قرطاج لياتي بعدها مباشرة قرار تطعير الاجهزة الامنية، فيما اعتبره متابعون للشان السياسي في تونس توجيهات رئاسية لمواصلة المعركة ضد الارهاب المحدق بالبلاد.

وأقال وزير الداخلية مصطفى بن عمر مدير الأمن العمومي السابق في فترة حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة والمكلف بمهمة في الإدارة العامة للأمن الوطني في فترة لطفي بن جدو.

وبحسب مصادر أمنية فقد تعلقت بمصطفى بن عمر جملة من التهم أهمها سوء التصرف في قضية الشهيد محمد الإبراهمي، الذي اغتالته الجماعات المتشددة عام 2013 ،إذ اتهم بن عمر بسوء التصرف في وثيقة أمنية تتضمن تهديدا جديا بقتل الإبراهيمي.

ووجهت النيابة العمومية تهمة سوء التصرف وعدم إشعار السلطات وإشعار العدالة في وثيقة الإبراهمي لمدير الأمن العمومي السابق مصطفى بن عمر ومن المنتظر أن يمثل هذا الأخير أمام أحد قضاة التحقيق خلال الأيام القادمة.

وبعد يوم واحد من إقالة بن عمر، أقال الغرسلي فتحي البلدي الذي يصفه الأمنيون بـ"رجل النهضة القوي بوزارة الداخلية".وبلغ عدد القيادات الأمنية المقالة في اليومين الأخيرين 7 قيادات.

مواجهة الاختراقات

واعتبر متابعون للشأن الأمني في تونس أن الإقالات الأخيرة مرتبطة بسعي وزارة الداخلية إلى مواجهة الاختراقات الأمنية الحاصلة والتي تتهم حركة النهضة بالتورط فيها.

وكانت الأحزاب العلمانية قد اتهمت النهضة في فترة سابقة بتشكيل امن موازي داخل وزارة الداخلية مهمته تنفيذ اغتيالات سياسية وهو ما نفاه رئيس الحركة راشد الغنوشي.

كما قرر وزير الداخلية إعفاء عماد العضباني من خطته كمدير عام للأمن الوطني وإلغاء هذه الخطة من وزارة الداخلية.

يذكر أن خطة المدير العام للأمن الوطني التي أحدثت منذ حوالي 20 سنة قد أصبحت مؤخرا تتعارض مع خطة كاتب الدولة المكلف بالأمن باعتبار أن مدير عام الأمن الوطني يتقاسم نفس الصلاحيات والمهام مع كاتب الدولة، علما وان هيكلة وزارة الداخلية أصبحت تقتضي وجود وزير للداخلية وكاتب دولة مكلف بالأمن.

وتخضع الأجهزة الأمنية إلى إدارات عامة في ظل إلغاء خطة المدير العام للأمن الوطني حيث يشرف المدير العام للأمن العمومي على الأسلاك المنضوية صلب الإدارة العامة للأمن العمومي ويخضع سلك الحرس تحت إشراف آمر الحرس الوطني، في ما تعود المصالح المختصة بالنظر إلى المدير العام للمصالح المختصة.

وكثيرا ما يتذمر أعوان الأمن من تعليمات صادرة من قيادات أمنية "تطالبهم بالتنسيق مع قيادات النهضة خلال القيام بمهامهم" ما دفع بالنقابات الأمنية إلى إصدار بيان حذرت فيه من "تجنيد الأمنيين لخدمة أطراف حزبية" مطالبة بـ"تطهير الأجهزة الأمنية من القيادات التي لها ولاءات حزبية".

وطالبت الجبهة الشعبية الخميس 19 فبراير/شباط 2015 حكومة الحبيب الصيد بـ"تطهير وزارة الداخلية من اختراقات خطيرة لكوادر نهضوية تهدد حياد الأجهزة الأمنية لتخدم مصالح حزب سياسي على حساب مصالح الدولة والشعب".

وقال القيادي في الجبهة، زهير حمدي، إن الأجهزة الأمنية تعرضت إلى اختراقات خلال سنوات حكم الترويكا إضافة إلى أن السياسات الأمنية التي طبعت حكم الترويكا كانت عشوائية مما جعل البلاد عرضة لاختراقات وغزو من الحركات السلفية و كذلك مرتعا لتدفقات مالية هامة من دول الخليج.

وأكد حمدي أن هذا الوضع مازال متواصلا وكذلك مخلفاته وشدد على أن مكافحة الإرهاب تتطلب عملية غربلة وتطهير للأجهزة الأمنية، مبينا أن السلطات مطالبة بوضع خطة أمنية وطنية شاملة في مجال مكافحة الإرهاب بهدف تكريس نجاعة القضاء على الظاهرة لا سيما في جوانبها المتعلقة بملفي العائدين من سوريا والخلايا الإرهابية النائمة.

وتعود مطالبة الأمنيين والأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني بـ"تطهير وزارة الداخلية من اختراقات النهضة" إلى فبراير/شباط 2013 خلال فترة حكم الترويكا حين اغتالت جماعات متشددة القيادي اليساري شكري بلعيد حيث اتهمت المعارضة العلمانية آنداك قيادات أمنية لم تسمها بـ"التواطؤ" في عملية الاغتيال الأولى من نوعها في تاريخ تونس.

لكن وجود القيادي في حركة النهضة علي لعريض على رأس وزارة الداخلية حال دون الاستجابة لمطالب المعارضة.

وفي يوليو/تموز 2013 نشرت النقابات الأمنية قائمة اسمية في القيادات الأمنية التي تشرف وتدير الأمن الموازي النهضوي تضمنت 22 قياديا من بينهم مصطفى بن عمر مدير عام لأمن العمومي وفتحي البلدي، إضافة إلى أسماء أخرى مثل عبدالكريم العزيزي، مقرب من راشد الغنوشي، وطاهر بوبحري، مستشار أمني في وزارة الداخلية، وأسامة بوثلجة مستشار لدى رئاسة الحكومة ومسؤول عن تعين المحافظين في وزارة الداخلية، ولطفي الصغير، مدير إدارة الحدود والأجانب، ومحرز الزواري مدير العام المصالح المختصة، ورياض باللطيف مدير عام مسؤول على التكوين في وزارة الداخلية وابن أخت أبوعياض أمير جماعة أنصار الشريعة المصنفة تنظيما إرهابيا، وإلياس الهاروني، شقيق القيادي في النهضة عبدالكريم الهاروني، ولطفي الحدودي مستشار إعلامي بوزارة الداخلية من حركة النهضة.

وبعد نشر القائمة وتحت ضغط الأحزاب العلمانية، أقال لطفي بن جدو زير الداخلية آنذاك 14 قياديا أمنيا محسوبين على حركة النهضة من بينهم محرز الزواري ووحيد التوجاني، اللذين ارتبط اسميهما بقائمة "القيادات الأمنية الموالية لحزب حركة النهضة".

الفترة السوداء

ويصف الأمنيون فترة تولي علي لعريض لمنصب وزارة الداخلية بـ"الفترة السوداء" في تاريخ الوزارة بعد الثورة باعتبارها شهدت "تواطؤا" مريبا مع ميليشيات حركة النهضة المعروفة في تونس بـ"رابطات حماية الثورة" ومع المجموعات المتشددة، وتسفير الشباب للجهاد في سوريا، وتفاقم ظاهرة منع الاجتماعات الشعبية للأحزاب السياسية، وتسليط العنف والترهيب على قياداتها وأنصارها، وشهدت أيضا أحداث "غزوة" السفارة الأميركية، وأحداث الرش في محافظة سليانة واغتيال الشهيد شكري بلعيد.

ويرجع الخبراء الأمنيون استفحال ظاهرة الإرهاب في تونس خلال السنوات الثلاث الماضية إلى "اختراق النهضة للأجهزة الأمنية" مشددين على ان قيادات الأمن الموازي تتسامح كثيرا مع المجموعات الإرهابية التي قويت شوكتها وباتت تهدد أمن تونس واستقرارها.

وتتساءل الأوساط السياسية والإعلامية عن خطورة "الاختراقات" على أداء قوات الأمن في مكافحتها للإرهاب مطالبة بـ"توضيح الوضع الأمني في البلاد للرأي العام الوطني وعدم التكتم عليه".

وكتبت جريدة "الصحافة" الحكومية، تقول "هناك إصرار من السلطات على الاكتفاء بـ\'إخبار\' المواطن دون إنارة الناس حول الوضع الأمني العام في البلاد وهو إصرار لا مبرر له بل ألقى بتداعياته السلبية على الرأي العام الوطني الذي بات \'يتوجس\' من مخاطر الظاهرة الإرهابية على استقرار تونس وتجربتها الديمقراطية، في ظل أنباء عن اقتراب كرة النار الليبية من الحدود الجنوبية بعد سقوط طائرة عسكرية تابعة لقوات فجر ليبيا على مسافة بضع أمتار من التراب التونسي".

وأضافت الصحيفة "ما لم يفهمه التونسيون ويثير استغرابهم أن تزايد العمليات الإرهابية يحدث في الوقت الذي ما انفكت تؤكد فيه السلطات عن "عمليات إستباقية"، إذ لم يستوعب المواطن أحداث حلقات المسلسل الإرهابي إذا كانت بين أيدي الجهات المعنية قبل حدوثها، تعلم تفاصيلها وتمتلك من فاعلية الأداء ما يحول دون حدوثها".

ويربط الخبراء الأمنيون نجاح تونس في مكافحة الإرهاب بـ"تطهير وزارة الداخلية من الاختراقات" و"تفكيك الأمن الموازي" باتجاه بناء أجهزة أمنية جمهورية تخدم مصلحة البلاد بكل حيادية وبمنأى عن الولاء لأي حزب من الأحزاب السياسية.