العمل الفني المركب وفن التجهيز في الفراغ

تضارُب حول ماهية هذا النوع من الفن

شهدت الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة في السنوات الأخيرة أعمالاً فنية، أطلق عليها اصطلاحاً مُسمى “العمل الفني المركب”، أو "العمل الفني التجميعي"، والذي يُعتبر حالة من الانصهار بين مجالات الفن، حيث يتميّز هذا الأسلوب بإذابة تلك الفواصل والحدود الأكاديمية لتصنيف الفنون، كما يُعبّر عن التطور في تقنيات العمل الفني.

في مقدمة كتاب "العمل الفني المركب وفن التجهيز في الفراغ" – الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة - كتب الناقد التشكيلي عز الدين نجيب في مقدمته للكتاب: حرص الفنان د. عادل ثروت – مؤلف الكتاب – على عرض العديد من النماذج للفنانين المصريين الكبار والشباب، والتي جسّدت مفاهيم العمل الفني المركب برؤى الحداثة، بذلك كسبت المكتبة التشكيلية في مصر عملاً فنياً وتطبيقياً بالغ الأهمية لإثراء الثقافة البصرية، كفيل بأن يساعد الأجيال الجديدة من الدارسين والباحثين في السير على طريق الحداثة.

منذ بداية ظهور العمل الفني التجميعي "العمل المركب" في ساحة الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، وهناك حالة تضارُب حول ماهية هذا النوع من الفن، والذي يختلف كلياً من حيث الشكل الفني والمفاهيم التشكيلية عن مجالات الفن التقليدي، "كالرسم والتصوير والنحت"، فقُوبل منذ بداية ظهوره في الحركة التشكيلية المصرية بتعدد التفسيرات والتأويلات، وقد عارضه الكثير من الفنانين والنُقَّاد.

ويذكر المؤلف: يُعد القرن العشرون من فترات الانتقال المهمة التي ميّزت هذه المرحلة من التاريخ، حيث تشعّبت فيه الميول والاتجاهات بصورة شملت كل جوانب المعرفة، فاتسعت مجالات العلم، واستطاع العقل البشري أن يصنف ويجمع الحقائق ويسجّل الملاحظات، وأن يستنبط القوانين والنظريات، ويكشف آفاقاً جديدة ساعدت على الابتكار في مُختلف المجالات، وأصبح الفنانون في العصر الحديث يتعامَلون مع البيانات والمعلومات والمواد وطرق التنفيذ، مُعتمدين على التقدُّم التكنولوجي، وأصبحت لغة العلم مادة طبيعية لصناعة الفن.

ويتناول المؤلف: الخامة كمفهوم لغوي تعني "المادة الأولية"؛ أي الخامة التي لم يجر عليها عمليات التشكيل والتشغيل، أما عن تعريف التجميع، فهو مُصطلح من مصطلحات الفن الحديث، والتي تشمَل العديد من مجالات الممارسة العملية والبحثية في نطاق الفن الحديث، وهو من الفنون التي ظهرت في العصر الحديث.

ويرى جين ديبوفت ناقد الفنون التشكيلية، أن مُصطلح التجميع يعني تقنية إعادة التشكيل لمنتجات فنية عن طريق استخدام مجموعة من الأشياء الحقيقية.

ويذكر الناقد: يتم تنفيذ التجميع في بعض الأحيان من عنصرين أو ثلاثة، ويتم تجميعهما بصورة دائمة وليس تصويرهما أو رسمهما أو نحتهما أو تشكيلهما، ويتكوّن هذا الفن بصورة جزئية وكلية من العناصر، أو الجزيئات التي لم يكن هناك هدف لاستخدامها كمواد فنية.

كان للتحوّلات والمتغيّرات التي مرت بها أوروبا والعالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية، أثر واضح في تحوّل الفن إلى حقبة تاريخية جديدة لها مفاهيمها الفلسفية، حيث بدأت الفنون المرئية في ذلك الوقت تتخذ منهجاً جديداً، كان يصعب التنبؤ به وباتجاهاته، حيث كانت التغيُّرات التاريخية والحضارية بعد الحرب مؤثرة وفاعلة لإحداث تحوّلات، لم يكن من المتوقع أن يتجاوزها الفن دون أن يتأثر بها، ومن أهم تلك المتغيّرات: ثورة الطلاب مايو 1968، انحسار الوجودية، وتفكيك السرديات الكبرى، العولمة، المشكلات البيئية، ومُستقبل الإنسانية، وأخيراً الفلسفة التفكيكية.

ويشير المؤلف، إلى تعريف "فن التجهيز في الفراغ" قائلاً: فن التجهيز في الفراغ هو اتجاه فني، تمتد جذوره التاريخية إلى إبداعات فنون الحضارات المختلفة، مثل المعابد – الكاتدرائيات – المساجد، إلا أن هذف المنظومة الفراغية في تلك العمائر يختلف تماماً عن المفاهيم الخاصة بفن التجهيزات في الفن المعاصر.

ويضيف: ارتبط فن التجهيز في الفراغ ببعض المفاهيم الفلسفية، ومن المفاهيم الفلسفية الخاصة بفناني التجهيزات نقدهم للنظرية الشكلية، والتي سيّطرت على المفاهيم الجمالية في الفن لحقبات عديدة، وعلى ذلك فقد تجاوز فنانو التجهيزات تلك الحدود الشكلية، بهدف التفاعُلات القائمة بين وسائط التعبير المتعددة، والتي تخطت المفاهيم المرتبطة بالخط وبالنقطة واللون والمساحة.. وغيرها.

ومن وسائط التعبير في فن التجهيزات التي استخدمها فنانو التجهيزات: الفيديو والنص الكتابي والصور الفوتوغرافية والوسائط العضوية وشاشات التليفزيون.

وفي هذا الجزء من الكتاب، يعرض الكاتب العمل الفني التجميعي، وفن التجهيز في الفراغ في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، قائلاً: كان لظهور فن التجميع وفن التجهيز في الفراغ في العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين في الحركة التشكيلية المصرية المعاصرة، دور فاعل في تأسيس حركة ما بعد طليعية.

ويعرض كذلك في هذا الفصل، بعض الفنانين في حركة الفن التشكيلي المصري المعاصر، والذين تميّزت أعمالهم الفنية في مجال العمل الفني المركب وفن التجهيز في الفراغ، فيشير إلى الفنان أيمن السمري، هو فنان من فناني جيل التسعينيات، الذي بدأ حياته الفنية مستوحياً من بيئته الريفية التي نشأ فيها، مجموعة من العلامات والرموز البصرية من خلال رؤيته الخاصة لتلك البيئة، فقد كان لكل العناصر والمفردات والمكوّنات الخاصة للمنطومة البصرية المحيطة بالفنان أيمن السمري، دور في تشكيل تجربته الإبداعية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)