من آلهة الأوليمب: أبولو

أول من علّم الجنس البشري الطب والتداوي

فويبوس أبولو، هو ابن زيوس وليتو (لاتونا)، والأخ التوأم لأرتميس (ديانا). كلمة فويبوس تعني المتألق. ولد في جزيرة ديلوس. يعتبر أكثر الآلهة انتسابا إلى بلاد الإغريق. جميل الشكل، متناسق البدن، بل الأجمل من بين ذكور الآلهة قاطبة.

شَعره كستائي غامق، وعيناه زرقاوان. يلبس رداء من جلد النمر، ويحمل قوسه وجعبة سهامه الذهبية التي لا تنضب. عربته من الذهب الخالص، تجرها خيول بيضاء، عيونها تشع بالنور والألوان البراقة. لكنه قليل البخت في عالم الحب والنساء. خانته امرأة، ووقع في غرام أخرى لم تبادله الحب، وكانت تكرهه. السعيد في الحياة والبخت، تعيس في الحب.

فنان وشاعر وموسيقى مبهر. يشنف أسماع آلهة الأوليمب عندما يعزف الأنغام على قيثارته الذهبية، لا يفوقه أحد في استخدام القوس والنشاب.

يشفي المرضى، وهو أول من علّم الجنس البشري الطب والتداوي. هو إله النور وإله الحق. هو الصادق الأمين الذي لم يتفوه بالكذب قطّ.

معبده بجزيرة دلفي باليونان، يلعب دورا مهما في الأساطير الإغريقية. كاستاليا هو ينبوعه، وسيفيسوس هو نهره المقدس. لذلك أصبحت دلفي في الزمن القديم، مثل مكة اليوم، هي مركز العالم.

يحج إلى دلفي الناس من كل فج عميق، وتصبوا إليها كل الأفئدة. من بلاد الإغريق ومن جميع أركان العالم. ليس لها منافس.

هنا يجد الجواب، كل من كان يبحث عن الحقيقة. يظهر على لسان عرّافات في حالة غيبوبة كاملة. بسبب استنشاقهن لأبخرة متصاعدة من بين صخور بركانية.

يسمى أبولو "ديليان"، نسبة إلى مكان مولده في جزيرة ديلوس. ويسمى "باثيان"، نسبة إلى الحية باثيون التي قتلها. و"ليقيان"، لأنه إله إقليم ليقيا بآسيا الصغري.

هو أيضا، إله الذئاب، إله النور، إله الشمس، و"فويبوس" ويعني المتوهج واللامع. لكن إله الشمس الحقيقي هو هيليوس، ابن هيبيريون.

أبولو في دلفي، عبارة عن عمل خيري. واسطة بين الآلهة والجنس البشري. مثل عمل الأنبياء. عن طريق كهنة وعرافات يلفي، يعرف الناس طلبات الآلهة، التي تقوم بهدايتهم وإرشادهم لكيفية تحقيق السلام مع الآلهة. العصاه أيضا، أمامهم فرصة للتكفير عن ذنوبهم.

كان يطلب أبولو من أتباعه أن يتأملوا أولا داخل نفوسهم، ويبحثوا عن أول خيوط الحكمة. وأن يتصرفوا بعقل وروية في كل أمورهم.

لكن هناك حكايات عن أبولو، تبين أنه كان متناقضا في بعض الأحيان. جميل شاعري، لكن قاسي لا يرحم. الغار هي شجرته، الدلفين والبقرة والبجعة والذئب من حيواناته المقدسة.

بعد حصوله على القوس وجعبة النشاب الذهبية، قام بمغادرة جبل الأوليمب وذهب لكي يقتل الحية بايثون التي كانت تطارد أمه بأمر من الإلهة هيرا، زوجة زيوس.

علم أبولو من إحدى الجنيات أن الحية عدوته، يمكن أن يجدها في قمة جبل برناسوس في مدينة يلفي باليونان. لذلك أسرع بالذهاب إلى هناك.

بينما كان يقف أبولو على تل مرتفع، شاهد الحية العظيمة بايثون وهي ملتفة في شكل حلزوني أسفل التل. بسرعة سحب أبولو سهما من جعبته وأطلقه في اتجاه جسم الحية.

وجد أبولو أن جسم الحية الضخم بدأ يتلوى من الألم. صرخ صرخة انتصار وهبط مسرعا أسفل التل، لكن عند وصوله لمكان الحية، لم يجدها. لاحظ أنها تركت آثار دماء على الأرض. تتبع الأثر، فقاده إلى كهف تختبئ فيه الحية.

نفخ أبولو على رؤوس سهامه، ثم صوبها على فتحة الكهف وقام بإطلاقها بسرعة. عندما وصلت السهام إلى داخل الكهف، اشتعلت في رؤوسها اللهب وامتلأ الكهف بالدخان. مما أجبر الحية على الخروج هربا من النار والدخان.

وقف أبولو على صخرة عالية، لكي يمطر الحية بوابل من السهام السامة فأردتها قتيلة. قام أبولو بسلخ جلد الحية واحتفظ به كهدية.

المكان الذي قتل فيه أبولو الحية، أصبح مكانا مقدسا. هنا تقطن عرّافات إلهة الأرض جايا، بجزيرة دلفي. اللاتي تستخرهن الآلهة نفسها لمعرفة أسرار المستقبل.

العرافات، هن كاهنات تم تدريبهن منذ الطفولة. يلُكن ورق الغار، ويطلقن البخور ويجلسن وسط الدخان والأبخرة المتصاعدة من بين الصخور، حتى يُصبن بغيبوبة، فيقومن أثناءها بالتنبؤ بالمستقبل.

أبولو يعلم، بعد قتله الحية بايثون، أنه قد تعدى على حرمة المكان. لذلك قرر أن يتمادى في الأمر ويأخذ الأمر بيده. فقام بضم المكان إلى سلطاته. وأمر العرافات بأن تتنبأن، وأن تقدمن القرابين من الآن فصاعدا باسمه.

عندما علمت جايا، إلهة الأرض، بما فعله أبولو وقتله للحية، قامت بالشكوى لكبير الآلهة زيوس. لكي يرضي أبولو الإلهة جايا، وعدها بأنه سيخلد اسم الحية بايثون.

أمر أبولو بإقامة مهرجانا للألعاب الرياضية كل عام في جزيرة دلفي، احتفالا بانتصاره على الحية بايثون. المهرجان يسمى ألعاب البايثون، والعرافات أصبحن يسمين البايثونات.

قد يكون لأبولو عذرا في قتل الحية بايثون، لأنها كانت تطارد أمه وتمنعها من الاستقرار في أي مكان لكي تلد فيه. لكن ليس له عذر في معاملته لمارسياس، وهو من الستاير المرافقين للإله بان. له ذيل وأذني وملامح الماعز.

مشكلة الرفيق مارسياس، أنه مبدع وموسيقي موهوب. والمثل يقول، ذكاء المرء محسوب عليه. لكن الموسيقى هي عالم أبولو ومملكته المفضلة. أبولو بصفة خاصة والآلهة بصفة عامة، بصريح العبارة، لا تقبل المنافسة.

في إحدى الحفلات الموسيقية، كان موزارت المعجزة يعزف ويبهر الجميع. فاقترب منه أحد المدعوين وهمس في أذنه قائلا: "إذا ظللت تعزف بمثل هذه الروعة والجمال، فسوف تموت مبكرا. الآلهة لا تقبل المنافسة." ربما كان الضيف يشير إلى حكاية أبولو ومارسياس.

كان أبولو يشك في مقدرة خصمه الموسيقية. لذلك قرر أن يحسم الأمر بعمل مباراة بينهما. الفائز عليه أن يقرر بنفسه نوع العقوبة على خصمه. وإلهات الإلهام، الميوزات التسعة، بنات زيوس، هن الحكم.

عزف مارسياس على الناي، وأبولو على قيثارته. العزف كان رائعا من الجانبين. مما جعل الأمر يختلط على الميوزات. أيهما الأمهر في العزف؟ لا يعرفن بالتأكيد.

هنا صرخ أبولو قائلا: "على كل منا أن يدير آلته الموسيقية ويعزف من الجانب الآخر. لكي يمجد الآلهة وبناتهم الجميلات، الميوزات."

القيثارة التي يعزف عليها أبولو، يمكن أن تعزف عليها من أي جانب، حتى لو قلبتها رأسا على عقب. لكن الناي، لا يمكن أن تعزف عليه من الجانب الآخر. مسكين أخونا الفنان مارسياس، خسر المباراة وتفوق عليه أبولو بالمكر والخديعة.

بالطبع، كان العقاب قاسيا. لقد سلخ جلد مارسياس حيا وثبت جسده بالمسامير في شجرة. من جذورها، يتدفق غدير ماء. على جانبي الغدير، ينمو نبات البوص. عندما يهب النسيم، يداعب أوراق النبات، تسمع أنين الناي. يسمي الناس الغدير، بغدير مارسياس.

ديونيسوس، هو إله الخمر عند الإغريق. مفرط في البهجة والسعادة الحسية، بذلك يمثل الإنسان البدائي. أتباعه، ينسون أنفسهم ويعطلون اللغة، وينخرطون في الرقص الشاطح، مثل الزار عند النساء والذكر عند الصوفية. الموسيقى وشرب الخمر حتى الثمالة، هي وسيلتهم، وطلب الوجد والنرفانا هي غايتهم.

إنهم يبغون، كما يقول نيتشة، العودة إلى رحم الوجود والهروب من سجن النفس. ممارسة هذه الطقوس التي وصفها يوريبيديس الكاتب المسرحي الإغريقي بأنها فوضى وتلوث، تسبب الرعب والدهشة لمجتمع الآلهة، هي في نفس الوقت، تحمينا مؤقتا من الإحساس بالعزلة التي لا مهرب منها.

يذكرنا نيتشة بأسطورة الملك ميداس، الذي طلب من سيلينوس، رفيق ومعلم الإله ديونيسوس، أن يدله كيف يصل إلى أعلى مراتب السعادة والنجاح. تجهم وجه سيلينوس وصمت عن الكلام برهة. لكن تحت إلحاح الملك ميداس، انفجر سيلينوس ضاحكا، ثم قال له:

"أيها الفاني المسكين، لماذا تجبرني على إخبارك بشئ لن تقدر عليه؟ السعادة التي تطلبها ليست في متناول يديك. السعادة هي أن لا تكون قد ولدت من الأصل، كأنك لم تكن شيئا. لكن أفضل خيار لك بعد ذلك، هو أن تموت في التو واللحظة."

كيف تحمل الحضارة الهيلينية بين طياتها مثل هذه الحقائق المرعبة؟ لكن تأتي المساعدة من أبولو، إله الشمس والنظام والعقلانية. فهو يمثل الحضارة الإنسانية في أجل صورها.

ديانة أبولو، تدعو إلى التفاؤل. تطلب الصيغ والصور الجمالية والفهم العقلاني. هي سلاحنا الوحيد للتغلب على اليأس والمستقبل المرعب الذي تنبأ به سيلينوس.

لكي يعيش الإغريق، لا بد لهم من الأمل. لذلك، كان عليهم أن يوجدوا هذا الأمل. كيف يجدوه في عالم فان مصيره الزوال؟ لقد وجدوه أمامهم في الأساطير الإغريقية الساطعة، المليئة بالقوة والشجاعة والجمال والقيم النبيلة.

من هذه الأساطير، تعرفوا على أبولو، وهو إله عظيم يمكن أن يساعدهم في التغلب على يأسهم. توصلوا أيضا إلى فوائد التحكم في الشهوات والعناية بالبدن، ومعرفة النفس، والاعتدال في كل شيء. الوسطية كانت هي طريق الفيلسوف العظيم أرسطو.

لكن ما هو التأثير الجمالي، الناتج من وضع قوى الفن الدايونيسية مع قوى العقلانية والتصور الأبولية جنبا إلى جنب، بعد أن كانتا منفصلتين؟ أو بمعنى آخر، ما هي العلاقة بين الموسيقى (دايونيسوس) و بين العقل والصورة والتصور (أبولو)؟

يخبرنا شوبينهاور، بأن الموسيقى تختلف عن باقي الفنون، في كونها ليست نسخة من صورة العالم كما تبدو لنا (فينومينا)، لكنها نسخة من الإرادة، أو الروح التي تسير هذا الكون. نظرية الأوتار في الفيزياء الحديثة تقول، بأن أصل كل شيء هي أوتار صغيرة جدا في حالة عزف مستمر.

لكن، ما العلاقة بين الموسيقى والأسطورة؟ التصور والعالم المرئي والشعور، كلها أشياء تتأثر بشدة بالموسيقى. هذا يعني أن الفن الدايونيسي يؤثر في العالم الأبولي. الموسيقى تحضنا على استخدام رموز بديهية من عالم دايونيسوس. ثم تعلي من شأن هذه الرموز. الموسيقى تنتج الأسطورة، ومن الأسطورة تتولد التراجيديا.