قلوب العراقيين مع التقسيم وسيوفهم عليه

قال الشابندر ان المالكي توصل الى القناعة بان "لا مكان للتعايش السلمي في العراق وان الحرب الاهلية قادمة لا محالة."

ليس المالكي وحده عند تلك القناعة بل معظم العراقيين كذلك لكنهم لا يفصحون عنها الا في مجالس ولقاءت ضيقة. بل تجرأ بعضهم لاظهار القناعة بشكل غير مباشر. فقبل فترة قال رمز شيعي عراقي، من ان الجنوب الشيعي لن يتضرر من التقسيم لانه يتمتع بكذا وكذا ثروات معدنية وزراعية وبشرية وبمنفذ بحري..الخ فيما قال رمز سني حكومي بارز من الموصل، ما معناه، ان السنة بدورهم لن يتضرروا منه كون الاقليم السني يحتوي على كذا عدد من الابار النفطية فثروات معدنية اخرى، حسب تعبيره. وواضح موقف القادة الأكراد من التقسيم وهم الذين ينادون علنا بالاستقلال.

واذا كان الموقف الكردي على درجة من الوضوح بخصوص تقسيم العراق فان الازدواجية تتحكم في مواقف معظمم القادة الشيعة والسنة فهم في الخفاء مع التقسيم وفي العلن ضده، وكانهم ورثوا هذه الازدواجية من ايام الصراع بين الحسين (ع) ويزيد بن معاوية ففي كتابه وعاظ السلاطين تناول الدكتور علي الوردي تلك الازدواجية في جند يزيد في القول الشهير "قلوبهم مع الحسين وسيوفهم عليه."

وترسخت تلك القناعة سيما بعد فشل كل الجهود لتحقيق المصالحة الوطنية التي لا تلقى ترحيباً سوى لدى السذج من الناس، إلا أن المالكي بتوصله الى تلك القناعة، فان حزب الدعوة الحاكم والذي يترأسه سيتحمل وزر "الحرب الاهلية القادمة لا محالة" والتي لن تتفادى إلا بتقسيم العراق. فهل يكون القادة العراقيون في المستقبل المنظور على خطى غورباتشوف والبشير.

لقد حال الأول دون دخول الاتحاد السوفيتي في حروب اهلية مدمرة، بتقسيمه، الاتحاد السوفيتي، إلى 15 جمهورية وانهى الثاني حرباً أهلية دامت عقوداً بفضل اعترافه باستقلال جنوب السودان. وان ايه قراءة متأنية للمشهد الطائفي والعرقي الآن في العراق، حيث بلغ التباعد والتناحر بين مكوناته الاجتماعية الثلاثة، الشيعة والسنة والأكراد، مديات خطيرة. ولا نغالي إذا قلنا ان الحرب الأهلية في العراق نشبت منذ عام 2003، وان العراق مقسم منذ ذلك العام على ثلاثة وان لم يعلن وهذا ما قلته في مقال لي نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية. وهيهات اليوم اصلاح ذات البين بين تلك المكونات، وتقول كل التكهنات والتجارب، ان التقسيم قدر العراق، لكنه لن يكون مجدياً ما لم تسبقه تسوية عادلة لمشكلة "المناطق المتنازع عليها" التي لا تنحصر بين حكومتي بغداد واربيل انما بين المكونات الاجتماعية الثلاثة كافة وبهذه الدرجة أو تلك. وعلى ان يأتي التقسيم على أساس الحقائق الجغرافية والتأريخية والسكانية. ومتى ما تم ذلك والغيت الوحدة القسرية التي يئن تحت وطأتها العراقيون منذ عقود، فأن الشيعة والأمراد والسنة سيدخلون حينذاك في علاقات بناءة ومثمرة تقوم على مبادئ المنافع المتبادلة وعدم التدخل والتعايش السلمي...الخ من المبادئ الدولية السامية والسلمية.

ان المذابح التي حلت بالاشوريين وبالاكراد في حلبجة وداكان والبارزانيين والفيليين فمذابح الانفال التي سلطت عليهم سابقاً. ومذابح بروانه وقراغول ويثرب..الخ التي دمرت وتدمر السنة حالياً. وبينهما ما تعرض له الشيعة من قتل ومظالم سواء على يد النظام السابق أو على يد العصابات الأرهابية التكفيرية بعد عام 2003. وحتى تلك التي ينفذها داعش مردها الوحدة القسرية التي تحولت الى جهنم حمراء ان جاز التشبيه، وحصدت وما زالت تحصد ارواح مئات الالوف من العراقيين وكأني بلسان حالها يقول: "هل من مزيد".

على العراقيين الالتفات الى واقعهم المزري بعد ان تحول الملايين منهم الى لاجئين داخل وطنهم وفي كردستان والى جيش من الجياع والمعدمين، وبدلاً من أن يصرفوا اموالهم على شراء الأسلحة ليقتلوا بها بعضهم بعضاً ارضاء لتجار الأسلحة واعداء الشعوب، وبدلاً من أن يهدروا وقتهم في المؤتمرات واللقاءات العقيمة لحل الاشكال الذي هيهات ان يحل، بين المكونات الاجتماعية التي ذكرتها، عليهم اتخاذ قرار حكيم يتجاوز العاطفة والأزدواجية. ولا ننسى ان التقسيم الذي يعني الاستقلال والحرية وحق تقرير المصير كفيل حتماً بانقاذ العراقيين من المحنة الرهيبة التي يعيشونها منذ عقود والتي تتفاقم باستمرار. والذي مهد ويمهد للتقسيم ليس دعاته بل الذين سلطوا عبر العقود المظالم والاقصاء والتمييز والتدمير على العراقيين الأكراد والشيعة والسنة والمسيحيين والايزيديين والتركمان والصابئة.. الخ.