ما لم يقله الوزير..

مرة واحدة وبلا سابق انذار ولا عذر ولا سبب وجيه ولا هي زلة لسان بكلمة او كلمتين كما هو المعتاد عند الزلل غير المقصود تدفق وزير خارجية العراق في مؤتمر صحفي عقد مؤخرا، تدفق ليطلق سيلا من الكلام الذي اثار صدمة لدى العراقيين خاصة وكل من استمع اليه وفي نفس الوقت اثار مشاعر اشفاق لديهم ايضا للمستوى الذي وصل اليه واقع الحال في بلدهم.

قال وزير الخارجية العراقي ما يأتي حرفيا: "نحن ننفتح على داعش بكل أعضائها وننفتح خارج داعش على أي دولة تقدم مساعدة للعراق كما قدمت الصين، وأي دولة، عندما كنت في أستراليا ونيوزيلاندا طلباً للالتحاق والانضمام إلى داعش ورحبنا بهم وأهلاً وسهلاً يا مرحبا."

اجل.. لقد قال هذا الكلام كله دون ان يرف له جفن ولا ان يعي ابعاد ما قاله ولا ان يصحح لنفسه الا بعد نبهه الناس.

في واقع الامر ان حديث الوزير الكهل يعيدنا الى قصة اخرى لم يتطرق لها الوزير، قصة تتعلق لا بالاشخاص الممثلين بالتنظيم الارهابي الذي تحدث عنه بل بالارض التي احتلوها في غمضة عين وانتباهتها، قصة تعد من المسكوت عنه ومن شبه المحرمات الحديث عنها. فالترحيب الذي عبر عنه الوزير بداعش ان كان قولا فأنه لا يعني شيئا حاله حال كثير من السفسطة والتمنطق والوعود والخرافات والهذيانات التي صار المشهد العراقي يعج بها دون ان تعني شيئا او تدل على شيء لان الشعب يدرك انها لا تعنيه وان هي الا سد للفراغ في اوقات البث حالها حال احاديث وتصريحات عشرات المسؤولين الذين ينطبق عليهم القول اذا حضر لا يعد واذا غاب لايفقتد فهم يسدون فراغا ما في الوظيفة العمومة، مجرد حضور فيزيائي لا اكثر بسبب ضعف او انعدام الكفاءة واحينا كثيرة حتى النزاهة.

اذا الوزير لم يكمل الحديث.. وبقي كلامه المباح مبتورا، ما لم يقله الوزير هو الاجابة على سؤال: من اخلى الارض لداعش وبالتالي رحب بها بطريقة غير مباشرة؟ انها احجية معقدة وشبكة متداخلة من التأويلات للوصول الى الاجابة من جهز كل شيء لداعش: الارض والمباني والسلاح والموارد المالية، هذا يتعلق بالطبع بمدينة الموصل التي جرى فيها ما جرى من انسحاب وتقهقر وهزيمة لالوف من قوات الشرطة والجيش لتعلن داعش خلافتها.

ولكي يكتمل المشهد وتترابط حلقاته مع حديث الوزير صار امرا صادما من جهة ومعتادا من جهة اخرى ان يظهر علنا وعلى الشاشات من يطلق عليه انه قائد القوات العراقية في الموصل ابان سقوطها في ايدي داعش، صادما من جهة ان يجرؤ ضابط بدرجة رفيعة الحق هزيمة نكراء بالجيش الذي يقوده بانهزامه امامه وقبل جنوده فيرمي باللوم يمينا وشمالا دون ان يحاسبه احد.

من جهة اخرى الموقف معتاد ان يجرؤ هذا الشخص ان يظهر على الملأ على شاشات التلفزيون ليتفلسف مرة واثنتين وثلاثا دون رد فعل لا من حكومة ولا من قيادة جيش وكأن لسان الحال يقول دعوه يمارس هذيانه فهو لايعني شيئا فهذا هو زمن الهذيان.

اذا هنا تتكامل صورة المهزلة التي يجسمها حديث الوزير، فقصة سقوط الموصل ما زالت مبهمة ولا مكاشفة للشعب ولا توضيحا لجلية الامور بل الادهى والامر وجود كثير من الاتهامات والاتهامات المتبادلة بين جميع الاطراف، اتهامات تتحدث عن خيانة وعن صفقة وعن مستفيدين وعن اموال ومناصب وصفقات وماالى ذلك دفعت قادة كبار للهرب قبل جنودهم والحاق هزيمة نكراء بالجيش والشرطة وتسليم اسلحة لا تقدر بثمن مع ذخائر ومعدات الى داعش فضلا عن ايداعات البنوك العاملة في المحافظة وكل مافيها وما ان وقع ذلك حتى كرت السبحة ففر المحافظ ومجلسه وفر مسؤولين كثر وهم الاخرين واصلوا الحكاية الهذيانية في القاء التهم يمينا وشمالا في ظاهرة صوتية قل نظيرها.

ما لم يقله الوزيرالعراقي هو اطلاع الشعب وماذا بعد "الترحيب" غير المباشر بداعش الذي ارتكبه مسؤولون سياسيون وعسكريون ولماذا تحجب عن الشعب حقائق خطيرة ومدمرة تمثلت في سقوط هذه المدينة الاستراتيجية، لماذا ترتب عليها كل هذا الدمار والخسائر البشرية ومن المسؤول عن ذلك الاختراق التراجيدي المرير؟

ما لم يقله الوزير ان محاربة داعش لا تأتي بالمؤتمرات الصحافية واللهاث وراء المنصب والتصريحات التي تشبه الاسهال اللفظي، ان محاربة التنظيم واي فكر متطرف آخر يحتاج الى اصلاحات عميقة والى رؤية استراتيجية واعية تضع قيمة المواطنة في مرتبة المقدسات، ما لم يقله الوزير في قصة داعش هو الافصاح عن المسؤولين الذي كثرت الاتهامات بحقهم بتهمة الخيانة العظمى والكل يتساءل: متى تطبق تهمة الخيانة العظمى؟ وماذا يمكن للمسؤول السياسي او الحكومي ان يفعل اكثر من هذا الذي فعله مسؤولون سياسيون وعسكريون بالموصل؟

الوزير المتلعثم الحائر في سد الذرائع عن ذلك المقطع الصادم والطويل سيبقى حائرا اذا ما سئل تلك الاسئلة المريرة التي اشرنا اليها وهو يلقي خطبة عصماء في مؤتمر صحفي وكأن شريطا صوتيا تم بثه بالخطأ ولهذا لا تستطيع الالة اصلاح الخطأ مباشرة، كأننا في هذه السريالية العراقية هكذا بالضبط اذ مرت مدة من الزمن حتى افاق الوزير وتنبه للكارثة التي من المؤكد ستضاف الى السلسلة السريالية في الخطب والسلوكات والمواقف التي يعج بها العراق.