'داعش'.. المرض أم العرض؟

فجعت كغيري من المهتمين بالتراث الإنساني عندما شاهدت بحسرة جريمة تنظيم "داعش" الإرهابي في حق تراث وحضارة العراق، وهذه المرة لم يذبح الإرهابيون ولم يحرقوا بشرا، بل انهالوا بمعاولهم على آثار العراق العريقة ليحولوها ركاما تذروه الرياح.

وقد بث التنظيم تسجيلاً مصوراً يظهر قيامه بتحطيم محتويات متحف نينوى بالموصل والذي يعد أحد أهم المتاحف في العالم، ويظهر الشريط، عناصر من التنظيم ينزعون أغلفة من النايلون عن تماثيل مختلفة الحجم، إضافة إلى أخرى تنتصب على قاعدة رخامية ضخمة بارتفاع نحو مترين، وتماثيل نصفية أو وجوه أثرية معلقة على الجدران.

المصيبة أن المشهد العربي الراهن يقدم دليلا حيا على حجم الكارثة التي أصابت الثقافة والفنون في وطننا العربي. فهنا يبرز الغزو الثقافي واللغوي والموسيقي والسينمائي على أشده، وتتحول كل هذه المجالات إلى وسائل رخيصة لغرس قيم سلبية بالغة الخطورة في عقول الناشئة وللإجهاز على الانتماء الوطني والقومي، وخلق نموذج لشخصية عربية مشوهه ومفككة ومقطوعة الجذور.

فلقد أصابتنا أمراض الثقافة الاستهلاكية الغربية، وهي أمراض كثيرة وخطيرة ومتنوعة، اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وسياسية. وهي تبدأ من سوق الوهم في نمط الحياة على الطريقة الغربية، ومرورا بسقوط الشباب ضحايا تحت وطأة الحاجة والعوز في حبائل عصابات الإرهاب والجنس والمخدرات.

كما تعرضت الهوية العربية الإسلامية لشعوبنا، في ظل الرأسمالية المتوحشة إلى عملية تحطيم وتدمير ممنهجة لكل عناصر القوة التي كان يمكن أن تقف في وجهها، فبعد سقوط المنظومة الاشتراكية التي كانت تقف كجدار في طريق هيمنتها بصورة مطلقة، كان لا بد من اختراع عدو جديد من أجل تسخير القوى الغربية والصهيونية لمحاربته وإفساح الطريق أمام مشروعها، فكان لا بد من تحويل الصراع نحو الإسلام الذي كان السبب الرئيسي للتمسك بهوية المجتمعات ومن أهمها الثقافة العربية والإسلامية.

هذا على الرغم من أن العولمة الاقتصادية هي الأساس والهدف، فإن الانعكاسات الاجتماعية والثقافية أصبحت واضحة ولا يمكن التغاضي عنها أو إغفالها، في ظل التطورات السياسية العالمية من ناحية، وانتشار ثورة المعلومات والاتصالات من ناحية أخرى،وكانت هذه السياسات كجسر يوصل قوى العولمة للهدف الاقتصادي المنشود الذي لا يتحقق بإيديولوجيات وهويات قوية تستطيع التأسيس لقوى ذات أخلاقيات رافضة لظاهرة العولمة.

بالإضافة إلى الصراع المحموم بين قوى الإرهاب والتطرف من جهة وقوى التجديد والتحديث من جهة ثانية، وقوى الترويض والتهميش من جهة ثالثة، ففي علاقة الثقافة العربية بالماضي نراها في الغالب تغالي في عرضه وتفسيره وتمجيده حينا، وتقع أسيرة لقيوده وإخفاقاته حينا ثانيا، وتنهل منه دون تجديد أو إبداع أو تطوير حينا ثالثا، أما فيما يتعلق بعلاقتها بالحاضر والمستقبل وما يواجهها من قوى العولمة وتأثيراتها فهي تتعامل معهما بالغالب بخنوع مريب أحيانا، وبتمرد لا عقلاني وغير مبرر أحيانا أخرى.

والشاهد أن أحوال الموسيقى والسينما العربية، تقدم دليلا قويا على التأثير السلبي الذي حدث فيها. حيث جرى تغييب الأغنية الوطنية وحصارها بشكل واضح، بل تم العمل على وقف إنتاجها نهائيا، إلا إذا كانت بهدف مدح الحاكم والدعاية لنظامه. أما كل ما يمجد العروبة والاستقلال والسيادة ويدعو إلى وحدة العرب ومقاومة الهيمنة الأميركية، ويذكر بالأمجاد ويحث على إرادة الحياة والمستقبل فقد أصبح من الممنوعات، وتمت إحالة أجمل الأغاني والأناشيد القومية في الإذاعات والفضائيات إلى رفوف الأرشيف لتغزو أسماعنا أغاني "بوس الواوا" و"بحبك يا حمار" وغيرها من هذا النوع المنحط الذي أعد خصيصاً لإثارة الغرائز وإفساد الذوق، وكذلك فعلت الأفلام الهابطة.

من هنا فإن جريمة داعش الإرهابية ضد تراث الأجداد، ليست في ظني سوى الوجه الآخر للإعلام الهابط الذي أحدث وتحت عنوان الانفتاح قطيعة جذرية مع الإعلام الملتزم، وأنهى لغة الانتماء الوطني والقومي التي اعتبرت لغة خشبية، وركز على تسفيهها وتتفيهها وإقصاء رموزها لتصبح مرادفة للتخلف والتعصب ومعاداة العصر والتقدم.

ولعل أخطر ما يشهده واقعنا الراهن هو أن الكثير من هذه الظواهر السلبية التي شكلت عالم الفساد والإفساد في عصر مبارك، قد وجدت طريقها إلى الفضائيات المصرية، والتي كان يفترض أن تكون القدوة في تحويل هذه النوافذ إلى مشاعل للتنوير والتقدم،لا بؤر لإشاعة التفاهة والتخلف.