لا تخذلوا مصر

بات المشهد السياسي بالغ الغموض والتعقيد. وهناك تحولات وتغيرات لا نعلم هل هي تكتيكية أم استراتيجية. ويصعب على القارئ العادي تحليل الأحداث والوقوف على حقيقتها، إذ أننا تعلمنا أن نعتمد على ما نسمعه أو نقرأه، في حين أن ما يجري خلف الكواليس هو الأصح. وعلى أية حال، فلا يملك القارئ سوى الرجوع إلى المنطق بصرف النظر عما يسمعه أو يقرأه من أنباء وتحليلات.

لقد أصبح العرب بين مطرقة داعش وسندان إيران، ومخطئ من يظن أن أياً منهما أهون الشرين، فكلاهما لا يرحم وله مخالب وأنياب. وإذا ظن العرب أن داعش ستقف كحائط صد للمد الإيراني فهو مخطئ، فهي عندما تنتهي من مرحلتها الأولى سوف تتجه بقوة إلى الدول العربية قبل أن تفكر بمواجهة إيران التي يتمتع بعضها بعلاقات طيبة معها.

وإزاء هذا الوضع، لا بد من التوقف عن دعم داعش لأنها لن تحمي أحدا ولن تجازف بمواجهة مع إيران، ولا بد من التمسك بمصر ودعمها لأنها أفضل من تراهن عليه الحكومات العربية بالنظر إلى إمكاناتها الاستراتيجية، فمصر أثبتت جدارتها بقيادة العالم العربي لأنها أول من تنبه للخطر الداهم من الحركات الإسلامية وقامت بالتصحيح فورا، كما لا ينبغي أن ننسى دورها في التصدي للحروب الشرسة التي شنت ضدها. فلماذا البحث عن حليف أجنبي يطيب له أن يرى العرب فخارا مكسرا.

إن الذي يطلع على التشويش والتحريض ضد مصر يشعر باللاجدوى ويكف عن المحاولة للخروج من هذا المأزق العصيب. لماذا يبدع العرب بتدمير بعضهم ويعرقلون أية محاولة للنهوض، ألا يكفي خذلان صدام حسين وهو الذي وقف في وجه إيران ومحاولاتها التوسعية، وما أن قتل صدام حتى رأينا إيران على أعتاب بيوتنا. والآن تحاول مصر النهوض، فنرى التاريخ يعيد نفسه، ونجد أخيار العرب يُرشقون بالاتهامات ويُحبطون ويجابهون ويحاربون بشتى الوسائل والطرق.

ما مر وقت على العرب إلا وقالوا "إننا نمر اليوم في وقت أخطر من أي وقت مضى" مما يعني أن محنتنا تزيد يوما عن يوم. وصحيح أن الأمر يحتاج إلى لاعبين سياسيين مهرة للخروج من هذا التردي، إلا أن المفكر البسيط الذي لا يفقه في المناورات شيئا، يتوصل إلى ضرورة التكامل اللوجستي والاستراتيجي، وهذا موجود لدى دول الخليج ومصر، وعلى صناع القرار الإسراع باستثمار الثقل الاستراتيجي لمصر بدلا من محاولة ذبحها وقص أجنحتها.