'الذهب الابيض' في لبنان.. ثروة اقتصادية مهددة

فوائد صحية كثيرة

بيروت - لا يخلو بيت لبناني سواء في المدينة او القرية من قوارير ماء الزهر التي تتسم برائحتها الطيبة والزكية وفوائدها الكثيرة على الصحة وجمال البشرة، الا ان الحرفة الضاربة في القدم والمتجذرة في تاريخ لبنان تعاني من منافسة خارجية شرسة وانتشار الغش.

ويستخدم ماء الزهر في الطب المنزلي ولصناعة الحلويات وتعطير الشراب ولتحضير القهوة البيضاء التي تخصصها بعض الصالونات تكريما للزائر بدلا من القهوة السوداء وباتت فنجانا مميزا على لوائح المقاهي فضلا عن تقديمه هدايا.

وهو علاج فعال لما يعرف بالوتاب عند الكبار، ولآلام البطن عند الصغار، ولاسترخاء الأعصاب لمن يشاء، بحسب وصفات الطب العربي وكما يحمله كثيرون في انبوب صغير يعطرون به وجوههم وأيديهم، ويقدمون منه لأصحابهم تحببا.

وتعلم ربات المنازل ان لهذه الزهرة فوائد جمة، غير استعمال مائها في صناعة الحلويات الشرقية، وإنما أيضاً لمعالجة التخمة وآلام البطن، كما يضاف منها القليل على قناني الحليب للاطفال الرضع، ويزيد في انتعاش الماء البارد، وطعم القهوة، وهو يستخدم ايضاً لرشه على رؤوس "الزعماء" والمرشحين اثناء مرورهم في الاحياء الشعبية.

ولقد كان استعمال ماء الزهر في الماضي عطراً تتطيّب به العرائس، ويتطيّب به الرجال ايضاً وقد كانت أم العريس تحمل بيدها قارورة ذات ثقوب ترش منها على رؤوس الحاضرين وثيابهم ماء زهر.

وكان المحسنون يصبون قوارير ماء الزهر في فسقيات المساجد وقد روى بعض كبار السن في صيدا القديمة :"أن هناك مسجد كانت في فنائه الخارجي بركة ماء، وكان المحسنون يطيّبون ماءها بماء الزهر، خصوصاً في الأعياد".

وتتركز صناعة ماء الزهر بكثافة في بلدتي القلمون في لبنان الشمالي، ومغدوشة في الجنوب.

ومهنة ماء الزهر تعتبر موسمية ينتظره محترفوه من عام الى آخر بفارغ الصبر ليشكل مصدر رزق لهم.

وتتجدد كل عام رحلة قطاف زهر الليمون في بلدة مغدوشة – قضاء صيدا، مع بدء فصل الربيع، إذ تفوح رائحته العطرة عن بعيد، لتعبق بالمنطقة إمتداداً لأشجاره التي تغطي المساحة الأكبر من البلدة، قبل أن يحوّل إلى "ماء مقطر" يُباع في الأسواق أو يصدر إلى الخارج الذي يعتبر صناعة لبنانية رائجة.

وتبدأ الرحلة مع تقطير ماء الزهر من بساتين البلدة وتمر بمراحل متعددة، حيث يُقطف زهر الليمون البري "بوصفير" كما يُسمّيه "المغدوشيون"، ثم يُغربل ويُنقى من الورق والعيدان.

ويُغسل إذا كان تَعرّض للغبار أو التراب، ويُفرش على غطاء لأن تكدس بعضه فوق بعض يُعرّضه للإهتراء والذبول، على أن لا يحفظ أكثر من يوم أو يومين، إذ من المفضل المباشرة فوراً بتقطيره بواسطة "كركة" من الألومنيوم أو النحاس، وحالياً من "الستانلس ستيل"، ويختلف حجمها بإختلاف حجم عملية التقطير.

وتحترف كثير من أمهات البلدة هذه المهنة، ويلجأن في أغلب الأحيان إلى "كركة" صغيرة تتسع من 5-8 كلغ من الزهر.

وقد كانوا في الماضي يشعلن الحطب تحت "الكركة"، أما اليوم فيعمدن إلى وضعها على الغاز، بحيث يُوضع الزهر داخل "الكركة" ويُغمر بالماء، ثم يُقفل عليه بالقسم العلوي من "الكركة" الذي توضع فيه المياه الباردة.

ويجري "تطيين" الوصلة بواسطة الرماد أو الطحين المجبول بالماء، منعاً للتبخر في اتجاه الخارج، ويمكن تقوية النار في بداية النزل، وعندما تبدأ قطرات الماء تخرج من أنبوب متصل بـ "الكركة"، فمعنى ذلك أن الزهر بدأ يتحول إلى بخار، فماء، عندها ينبغي تخفيف النار إلى أقصى حد بحيث تنزل القطرات قطرة قطرة، على أن المطلوب الانتباه الدائم إلى تغيير الماء في القسم العلوي كلما فتر، واستبدال الماء البارد الذي يلعب الدور الأساسي في تحويل البخار الداخلي إلى ماء الزهر.

ويطلق إسم شجرة "البوصفير" على شجرة الليمون المر، وصادف أن كانت بلدة مغدوشة تضم 3 بساتين من هذا الليمون، في أوائل السبعينيات وفي منطقة يطلق عليها اسم (الخلة)، وربما كانت تربتها من أنسب أنواع التربة لهذا الشجر، فاشتهرت بصناعة ماء الزهر ومشتقاته، ووصلت شهرتها الى كل المناطق اللبنانية والآن الى الدول العربية والغربية.

وعرفت بلدة مغدوشة باسمها الآخر وهي عاصمة "ذهب لبنان الأبيض" وسرّ هذا الاسم يعود إلى شهرتها بصناعة ماء الزهر من زهر ليمونها الذي تنتج منه سنوياً حوالي 400 طن بسبب تربتها ومناخها الملائمين مما يؤمن نحو نصف مليون دولار كل عام.

ويؤكد أبناء مغدوشة أن بلدتهم تتحول في موسم الربيع الى عاصمة زهر "البوصفير" و"ماء الزهر"، اذ يعود بعض أشجارها إلى نحو 150 سنة وقد ساعدت "الوكالة الأميركية للتنمية" في بناء أكبر معمل من نوعه لصناعة ماء الزهر المزوّد بأحدث التقنيات في هذه البلدة.

ويباع زهر الصفير أو ماء الزهر بأسعار مرتفعة نظرًا إلى صعوبة قطافه ولارتفاع سعر اليد العاملة.

واما بلدة القلمون التي ما زالت حريصة حتى الآن على انتاج ماء الزهر قبل نحو قرن، الذي يفتخر به اهلها ويعتبرونه بهجة للنفس شمّاً ونظراً ودواء، وتجارة، وحرفة.

وتبدو معظم بساتينها بيضاء مع اطلالة الربيع في كل سنة من وفرة زهر الليمون الذي ينتظره اهل القلمون، حيث لا يخلو منزل تقريباً من آلات صنع ماء الزهر وخصوصاً عند المسنين الذين لا يزالون يحافظون على هذه الحرفة التراثية، التي يقصدها الزبائن من جميع المناطق.

وعادة يبدأ موسم قطاف زهر الليمون في الثلث الأول من آذار/مارس، ويستمر حتى نهاية نيسان/ابريل.

ولفت احد مصنعي ماء الزهر إلى أن إنتاج لبنان من ماء الزهر يسد حاجة السوق المحلية، وتصدّر منه كميات إلى الأسواق الخليجية والأوروبية والأسترالية، ويشكل مورداً لمئات العائلات اللبنانية.

ويؤكد عدد من العاملين في صناعة ماء الزهر أن مردود زهر الليمون أفضل من مردود شجرة الزيتون لأنّ أسواق تصريفه متوفرة في حين ما زال إنتاج الزيت والزيتون مكدّسًا منذ سنوات في المعاصر والاقبية.

على الجانب الاخر، أبدى مزارعون خوفهم على مصير شجرة الليمون بسبب اصابتها بالعديد من الامراض التي تفتك بالثروة الطبيعية.

واعتبر مزارعون ان هذه المنافسة الخارجية قد تلحق الضرر بالصناعة الوطنية، ويأملون من الحكومة أن تعمل على تشجيع الصناعة المهمة للعديد من المدن والبلدات اللبنانية، وان تساعدهم على تنميتها، وذلك بتأمين القروض اللازمة لأصحاب هذه الحرفة حتى يضاعفوا من انتاجهم كماً ونوعاً، وان تقوم بالحد من استيراد هذه السلع من الخارج للحافظة على الصناعة الوطنية".

وحذر خبراء في مجال الزراعة من موت الشجرة بعد تسميمها، وتصل الانعكاسات السلبية المضرة على صحة المزارعين، حيث يصاب الكثير منهم بحساسية في العيون والبشرة وضيق في التنفس.

وتشهد صناعة ماء الزهر منافسة مشبوهة لأن الماء الاصلي والمفيد ليس مستورداً، حيق يقوم بعض التجار باستيراد عبوات ضخمة يضاف اليها "إسانس" أي بضع نقاط من ماء الزهر او الورد القلموني لتفوح نفس الرائحة من القناني المعبأة، إلا ان الخبير يكشف الأمر فوراً.

وهذه القناني التي تباع باسعار ضئيلة لا تمت الى الزهر بصلة، وغالباً ما تكون غير مطابقة للمعايير الصحية بحسب صاحب احد المصانع.

وحمّل صاحب احد مصانع انتاج ماء الزهر السلطة مسؤولية انتشار قناني ماء الزهر المغشوشة حيث تتلخص محتوياتها في الماء وقليل من المواد الكيميائية التي تحمل رائحة ماء الزهر، مشدّدا على أنّها "مضرة بالصحة".

وافاد مزارعون أنّ الاهتمام بزهر الليمون له أسباب عديدة فشجرة الليمون بحاجة إلى التقليم والتسميد والرش والري لتنمو وبما أن المياه غير متوفرة بشكل دائم ويجب شراؤها أحيانًا فهم يكتفون بريّها لمرة أو لمرتين أي في الفترة التي تزهر فيها الأشجار مما يؤثر سلبا على جودتها ونوعيتها.