هوامش التشاؤم من مفرزات الثورة السورية

باستثناء كسر حاجز الخوف الذي ظنه السوريون أبدياً، تتبدى مفرزات الثورة في طابع سلبي، في معظمها.

كلمة مفرزات نفسها تحيل إلى المرض والقيح والجروح.

تتركز انتقادات الناشطين الطبيعيين في الثورة السورية، الذين قدموا صادقين كل ما يملكون في سبيل استمرار الثورة ونجاحها، على انتقاد الأجسام السياسية المشوهة التي لعبت وتلعب دوراً معطلاً أكثر مما أفادت الثورة، وساهموا في ازدياد مأساة السوريين المحسوبين على الثورة، ممن دفعوا أثماناً غالية دون أن يسألهم أحد رأيهم.

الآلام لا تقتصر على الموت والإصابات، والعجز المترتب على الإصابة، وفقدان البيوت والممتلكات القليلة والكثيرة؛ الأمر تعدى ذلك إلى التشرد واللجوء والبحث عن الهجرة، استتباعاً.

القادم الأخطر، ربما، هو ما سيحدث عندما يهدأ صوت الرصاص.

لقد تقطعت أوصال البلاد، ونشأت جراحات نرجسية على خلفيات طائفية يخاف كثيرون أن تتمظهر على شكل انتقامات ثأرية جماعية في مناطق التماس الطائفي.

في هذه الأخيرة، لست قلقاً، شخصياً، قياساً على تجارب لبنانية قسمت العائلة اللبنانية الواحدة إلى مقاتلين على متراسين متقابلين. وعندما سكت صوت السلاح عاد كل شيء إلى حالة شبه طبيعية، ما عدا المصالحة في الجبل (الشوف والمتن) التي تتم على مراحل، وستنتهي كأزمة بعد زمن قد يطول، أو يقصر.

المفرزات التي قد يطول أثرها على السوريين تتعلق بصدى الرصاص الذي قد يبقى في آذان الأطفال والشباب الصغير، ممن باغتهم ذلك وهم غير مؤهلين لإدراك طبيعة مثل هذه المعركة.

فالمعركة مع عدو خارجي موصوف ومتفق على عداوته للبلاد والشعب تترك آثارها على الفئات الهشة نفسياً في المجتمع، فكيف بحرب ينقسم فيها السوريون، بهشاشتهم جميعاً أمام كل هذا الألم، إلى فئتين أو فئات، بين "مؤمنين بالثورة"، وبين مدافعين عن "الاستقرار".

بالطبع، الانقسام يميل لصالح الفئة الثائرة. وهذه تأتي، عرضاً، ممثلة للأغلبية الطبيعية في مكونات المجتمع السوري. لكن الفئة الثائرة مكونة من كل المكونات السورية. وظلت الفئة الثائرة على موقفها من الثورة، ولم يجعلها طول الفترة، وكثرة الآلام، تتراجع، حتى خلال المرحلة المسلحة التي اختلط فيها الحابل بالنابل.

الناشطون غير الطبيعيين هم المتحركون في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي. هؤلاء يؤلفون الشائعات وينشرونها، أو يساهمون في نشرها، ويهاجمون النظام السوري، والمعارضات السورية، كلاً على حد سواء.

بين الطبيعيين وغير الطبيعيين من الناشطين قاسم مشترك عمومي يتمثل في النوايا الطيبة لأهلهم في الداخل والخارج، لكن الانفعال واللهجة القاسية يبقى من المفرزات الهامشية التي وضعت الثورة في أزمة.

لا يكفي القول بأن نظام البعث أفرغ المجتمع السوري منذ أكثر من خمسة عقود من الخبرات السياسية والإدارية، حتى بدت "النخب" بهذه الرثاثة والعجز. ولا يكفي القول إن سبب تلك الهشاشة هي شروط أجندات الممولين للأجسام السياسية والعسكرية المعارضة. فالتعقيدات تتعدى إلى الإرادة الدولية "المرتاحة" لما يجري في سوريا، وخلف ذلك مفردات "لغز داعش" الذي جعل التحالف الذي تقوده أميركا عاجزاً "إرادياً" عن تحقيق هدفه في القضاء على داعش. وليس أدل على ذلك من التصريحات التي جعلت عمر الحرب للقضاء على داعش أكثر من ثلاث سنوات عند تشكيل هذا التحالف.

الضحايا، بين قتلى ومعتقلين ومختفين ومعاقين ومهجرين ولاجئين، تجاوزت نسبتهم الثلثين من السوريين البالغ عددهم قبل الثورة 23 مليون سوري، والثلث الباقي عانى أضراراً مشابهة بدرجات أقل.

هؤلاء في الطرفين المتقابلين، مع الثورة أو ضدها، مضافاً إليهم الفئة الصامتة، هم متن سوريا، متن الثورة والبلاد والمجتمع، هم غير الهامشيين الذين أصبحوا موضوعاً لقول السياسيين والعسكريين الهامشيين، هذا يتاجر بآلامهم، وذلك يتحدث باسمهم، بينما لا نجد في هذا المتن رأياً عاماً يمكن أن يعبر عن رضاه عن أداء هؤلاء من سياسيين وعسكريين.

طول الفترة وضع الثورة في أزمة. يجوز الآن القول إن سوريا في أزمة، أزمة للثورة، وأزمة للنظام، والناس في أزمة بينهما. ولا يقلل من أخلاقية الثورة ونبلها أن تكون في أزمة. أما أزمة النظام فتبقى دائماً في تناقضه الأساسي مع السوريين منذ أن اغتصب السلطة قبل 44 عاماً، ولا يزال متمسكاً بها بعد أكثر من 44 شهراً من عمر الثورة، ولسان حاله المعلن: "أخذنا البلاد بالقوة ولن نسلمها إلا بالقوة".

هذا، حتى لو كان ثمن البلاد نهراً لا ينقطع من دم.